من دفاتر الزمن الجميل…رحلة العمر ومشوار السنين (5)

  • بتاريخ : 15 أبريل، 2026 - 7:11 ص
  • الزيارات : 30
  • بقلم/ الطيب مضوي شيقوق 

    “كاتب – روائي – محامي”

    الحلقة الخامسة:

    المدرسة الأولية… حين بدأ الحرف يفتح أبوابه:

    لمّا بلغنا السابعة من العمر، لم يكن ذلك مجرد رقمٍ يُضاف إلى سجلّ السنوات، بل كان بداية عبورٍ هادئٍ من عالم الطفولة الممتد على سعة البراءة، إلى عالمٍ جديدٍ تتفتح فيه ملامح الوعي الأولى، ويبدأ فيه الحرف طرق أبواب دواخلنا على مهل.

    خرجنا من فضاءٍ كانت الأرض فيه كتابنا الأول، واللعب سطور أيامنا، والأحاجي دفء ليالينا…

    ثم دخلنا المدرسة، ذلك العالم الصغير في شكله، الكبير في أثره، حيث تُرتّب الأيام على نحوٍ مختلف، وتُقاس الخطوات بمعيارٍ جديد، وكانت البدايات في ألواحٍ بسيطة، لكنها كانت أوسع من حدودها الظاهرة.
    كان الصباح يحمل نغمةً خاصة لا تشبه غيرها…

    نصحو وفي داخلنا أثر التجربة الأولى للحياة، ونصائح الكبار التي كانت تشكّل فينا ملامح المسؤولية شيئًا فشيئًا، فنتهيأ بهدوء، ونمضي في جماعاتٍ صغيرة، يجمعنا الطريق قبل أن تجمعنا الفصول. وكان الطريق، رغم قِصره، زاخرًا بالمعنى…
    نخطو بخطىً تمزج بين الدهشة والترقّب، كأننا نقترب من عتبةٍ تفصل بين عالمٍ نعرفه، وآخر لم نختبره بعد.

    كانت المدرسة متواضعة في عمرانها، لكنها عظيمة في رسالتها… ففي تلك الفصول البسيطة، نتعرّف على الحروف للمرة الأولى، فتتفتح أمامنا أبواب المعنى، ونخطو بها أولى خطواتنا في دروب المعرفة.

    كان الألف عندنا بداية إدراكٍ جديد، لا مجرد حرفٍ يُكتب…
    وكانت الكلمة ولادةً للفهم، تتفتح معنا شيئًا فشيئًا، مع كل محاولةٍ للنطق والكتابة.

    لم يكن التعليم مجرد تلقين، بل كان غرسًا عميقًا ومبكرًا في الاذهان … نتعلم فيه النظام كما نتعلم الحروف، ونكتشف فيه قيمة الزمن قبل أن نحسن قراءته، وندرك أن لكل جهدٍ ثمرة، وإن جاءت بعد حين.

    وكانت لحظات الاكتشاف الأولى تشكّل فرحًا خاصًا…
    حين ننجح في قراءة كلمة دون تلعثم، أو نكتب سطرًا مستقيمًا، أو نفهم درسًا لأول مرة، كانت تلك اللحظات البسيطة تصنع في داخلنا إحساسًا صامتًا بأننا نكبر حقًا.

    وكان المعلمون في جميع مدارس قرى الدندر يأتون من مختلف أنحاء السودان؛ من شماله وجنوبه وشرقه وغربه.
    جاءوا يحملون في ملامحهم تنوّع البلاد، وفي تجاربهم سعتها وامتدادها، فكانوا كأنهم خرائط حيّة للوطن تمشي بين تلك الفصول الصغيرة. وقد تركوا أثرًا بالغًا في غرس الوعي وبناء الإدراك لدى أبناء تلك القرى، فلم يكن دورهم يقتصر على التعليم، بل تجاوز ذلك إلى صناعة الإنسان، وتوسيع الأفق، وترسيخ قيمة المعرفة في الوجدان.

    ويُقال إن أول مدرسةٍ أوليةٍ صغرى في ريفي الدندر أُنشئت في قرية اللويسة، جنوب البردانة على مسافة تُقدّر بنحو أربعة كيلومترات. لكنها لم تلبث أن توقفت، وتُركت مبانيها خلف الزمن، حتى صارت أطلالًا صامتة، كنا نخشى الاقتراب منها في طفولتنا، إذ كان الاعتقاد السائد وقتها بأنها مسكونةٌ بالجن.

    ثم تتابع لاحقًا إنشاء مدارس في عددٍ من القرى المجاورة، في خطوةٍ تدريجيةٍ أسهمت في ترسيخ حضور التعليم، وفتحت أمام الأبناء أبوابًا أوسع للتعلّم داخل نطاق قراهم، بعد أن كان الاستيعاب يتم في مدرستنا آنذاك، إذ لم تكن لديهم مدارس في قراهم الصغيرة، فكانوا يُستوعبون فيها، ويأتون إليها طلبًا للعلم، إما على ظهور الحمير أو سيرًا على الأقدام، يقطعون المسافات منذ ساعات الصباح الأولى، حاملين دفاترهم الصغيرة، وطموحاتٍ تمتد بامتداد الطريق نحو المعرفة.

    ولم يكن هذا الحضور مجرد انتقالٍ يومي، بل كان بداية تلاقٍ إنسانيٍ عميق، أسهم في رتق النسيج الاجتماعي بين القرى، وصهر الفوارق في بوتقةٍ واحدة من الطفولة والمعرفة.
    فقد جلسوا في مقاعد الدراسة جنبًا إلى جنب، دون أن تفصل بينهم الجغرافيا أو تباعد بينهم المسافات، فكان الدفتر المشترك أوسع من الحدود، وكانت الطفولة أقوى من كل اختلاف.

    وكانت البردانة في قلب هذا المشهد، بما عُرفت به من كثرة المتعلمين منذ البدايات الأولى، حتى غدت علامةً بارزة في محيطها. ولم يكن ذلك صدفة، بل ثمرة وعيٍ مبكرٍ بقيمة التعليم، وأسرٍ آمنت أن الطريق إلى المستقبل يبدأ من فصلٍ صغير ولوحٍ بسيط.

    وهكذا لم تكن البردانة مجرد اسمٍ على الخريطة، بل كانت مساحة وعيٍ ممتدة، أسهمت في تشكيل جيلٍ حمل نور المعرفة إلى محيطه، وظل أثره ممتدًا في الذاكرة الاجتماعية والإنسانية للمنطقة .

    ومن بين ألواحٍ صغيرة، وأصواتٍ تهجّي الحروف، وخطواتٍ تمضي كل صباح…
    كانت الرحلة تمضي بهدوء، نحو مستقبلٍ كان يُكتب لنا، حرفًا بعد حرف.