الثورة كفعل تأسيسي: في بناء الدولة والسيادة والشرعية (5-7)

  • بتاريخ : 14 أبريل، 2026 - 9:48 ص
  • الزيارات : 12
  • بقلم /الدكتور حيدر معتصم مدني

    مدير مركز الخرطوم للحوار

    من التيار الوطني إلى الدولة التأسيسية :آلية إنتاج القيادة الانتقالية

    إذا كانت الثورة وعيًا تراكميًا،
    وإذا كانت مقاومةً بنيويةً للهيمنة والاستبداد،وإذا كان العقد الاجتماعي هو نقطة التحول إلى الشرعية،فإن السؤال الحاسم يصبح:
    من يحرس هذا المسار حتى يكتمل؟… ومن يترجم العقد إلى دولة دون أن يتحول إلى سلطة دائمة؟
    هنا يظهر مفهوم التيار الوطني بوصفه الحاضنة،ومفهوم النخبة الانتقالية بوصفها الأداة المؤقتة.

    *أولًا: التيار الوطني كقاعدة* *تأسيسية*

    التيار الوطني ليس حزبًا سياسيًا،

    ولا تحالفًا انتخابيًا،

    ولا جبهة أيديولوجية.

    بل هو:
    كتلة وعي مجتمعي منظم حول فكرة الدولة، والسيادة، والهوية الجامعة، والعقد الاجتماعي.
    هو فضاء يضم داخله تيارات فكرية متعددة،لكنه يلتقي عند قواعد عليا غير قابلة للمساومة:

    وحدة المجال السيادي

    احترام التنوع داخل الهوية الجامعة

    رفض الاستبداد والوصاية

    خضوع الجميع لمرجعية دستورية متفق عليها

    في هذا الإطار، لا تُلغى الأيديولوجيات،بل تُعاد موضعتها داخل الوطن.

    *ثانيًا: من التيار إلى النخبة* *الانتقالية*
    التيار الوطني لا يحكم،لكنه يُنتج.
    وحين يبلغ التوافق المجتمعي حدًّا ناضجًا،تنبثق منه نخبة انتقالية وظيفتها محددة بدقة:

    حماية مسار تأسيس العقد الاجتماعي

    إدارة المرحلة الانتقالية دون انحياز أيديولوجي

    تهيئة البيئة الدستوريةوالانتخابية

    الامتناع عن التحول إلى سلطة دائمة
    هذه النخبة لا تكتسب شرعيتها من القوة،

    ولا من التاريخ،

    ولا من الشارع وحده،

    بل من قبول وطني عابر للتيارات،ومن التزام واضح بمهمة مؤقتة.

    *ثالثًا: الفصل بين الوظيفة* *والسلطة*
    أخطر ما يُفسد المراحل الانتقالية هو تحول القائمين عليها إلى أطراف سياسية دائمة.
    لذلك لا بد من تثبيت مبدأ تأسيسي:
    القيادة الانتقالية وظيفة حارسة، لا سلطة مالكة.
    وظيفتها إدارة الطريق،لا تحديد وجهته النهائية خارج ما اتُّفق عليه في العقد.
    وبمجرد اكتمال البناء الدستوري وإجراء الانتخابات،تنتهي مهمتها.

    *رابعًا: ضمانات عدم* *الاختطاف*

    حتى لا يتحول التيار الوطني إلى نخبة مغلقة،

    وحتى لا تتحول النخبة الانتقالية إلى سلطة مستترة،لا بد من ضمانات واضحة:

    شفافية كاملة في القرارات

    رقابة مجتمعية ومؤسسية

    تحديد سقف زمني ملزم

    حظر الترشح المباشر في أول انتخابات بعد المرحلة الانتقالية
    بهذه الضمانات، تبقى المرحلة الانتقالية مرحلة تأسيس، لا تموضع سياسي.

    *خامسًا: من القيادة* *الانتقالية إلى الدولة* *التأسيسية*
    حين تُنجز المرحلة الانتقالية مهمتها :

    يتحول العقد الاجتماعي إلى دستور،

    ويتحول الدستور إلى مرجعية ملزمة،

    وتتحول الانتخابات إلى آلية شرعية لإنتاج السلطة.

    هنا تولد الدولة التأسيسية:

    دولة ذات سيادة

    ذات مرجعية دستورية

    قادرة على إدارة التنوع

    محكومة بإرادة الشعب

    وهنا تنتهي الثورة بوصفها مسارًا استثنائيًا،

    وتبدأ الدولة بوصفها حالة مستقرة.
    *خاتمة* :
    التيار الوطني هو حاضنة الوعي،

    والنخبة الانتقالية هي أداة التأسيس،

    والعقد الاجتماعي هو المرجعية،

    والدولة الدستورية هي النتيجة.
    إذا اختل أحد هذه العناصر، عاد المسار إلى نقطة الصفر.
    أما إذا توازنوا، تحولت الثورة من لحظة احتجاج إلى مشروع بناء.
    الآن نكون قد بنينا الهيكل الكامل للسردية.