حين كان اللعبُ يُربِّي الأجيال…وكانت الحكايةُ تبني الأوطان

  • بتاريخ : 14 أبريل، 2026 - 7:56 ص
  • الزيارات : 33
  • بقلم / م. الإمام عبداللطيف الإمام

    الأخ الكريم المستشار الطيب مضوي شيقوق،

    ما كتبته ليس مجرد سردٍ لزمنٍ جميل، بل هو كشفٌ عميق عن زمنٍ كان يصنع الإنسان دون ضجيج الشعارات، ويغرس القيم دون أن يرفع لافتةً أو يُلقي درسًا. كأنك لم تستدعِ الطفولة فحسب، بل استدعيت روحها… تلك التي غابت عن عالمنا حين ظننا أن التقدم يُقاس بما نملك لا بما نكون.

    هناك… في ميادين لا تُرى على الخرائط، كانت تُبنى خرائطنا الداخلية.
    في “حَرّت” لم يكن الجري عبثًا، بل كان تدريبًا مبكرًا على الحرية.
    وفي “أم العتينوبة” لم تكن المطاردة لهوًا، بل كانت درسًا في الفطنة واتخاذ القرار.
    حتى تلك الأهزوجة البسيطة “شليل وين راح…” لم تكن كلماتٍ تُقال، بل كانت إيقاعًا يوحّد القلوب قبل أن توحّد الخطى.

    ثم يأتي التراب… ذاك الذي ظنه الناس مجرد أرض، فإذا به في نصك كائنٌ حيّ، يربّي، يحتضن، ويشهد. نسقط عليه فيعلّمنا النهوض، ونركض فوقه فيعلّمنا الانطلاق… وكأن بين الإنسان وأرضه ميثاقًا لا يُكتب، لكنه يُعاش.

    وحين يهدأ الضجيج، لا ينتهي اليوم… بل يبدأ وجهه الأعمق.
    هناك، في حضرة “الحبوبة”، تتحول الحكاية إلى مدرسةٍ أخرى؛ مدرسةٍ تُعلّم الخيال كيف يبني عالماً، وتُعلّم الوجدان كيف يتّسع لما هو أبعد من الواقع.
    من ود النمير إلى السندباد البحري، ومن جقدول إلى ألف ليلة وليلة… كان الطفل السوداني يسافر دون أن يغادر مكانه، ويكبر دون أن يشعر.

    وهنا تكمن الحقيقة التي يهمس بها نصك بعمق:
    لم تكن تلك الأيام جميلةً لأنها بسيطة، بل كانت عظيمةً لأنها كانت “تُنشئ الإنسان”.

    واليوم…
    نملك من الوسائل ما لم نكن نحلم به، لكننا نفتقد تلك الروح التي كانت تصنع من اللعب قيمة، ومن الحكاية وعياً، ومن الجماعة إنساناً متصالحاً مع نفسه ومع الآخرين.

    إن نصك ليس حنينًا إلى ماضٍ مضى، بل هو محاكمةٌ صامتةٌ لحاضرٍ اختزل الطفولة في شاشة، واختزل القيم في كلمات. وهو – في الوقت نفسه – دعوةٌ صريحة لإعادة الاعتبار لتلك المدرسة الأولى:
    مدرسة الحياة… حيث لا مناهج مكتوبة، لكن كل شيءٍ يُعلّم.

    فامضِ في هذا الدرب، أيها المستشار،
    فما تكتبه ليس توثيقًا للذكريات، بل إعادة إحياءٍ لمعنى الإنسان.

    نحن في الانتظار… لا لنقرأ فقط، بل لنستعيد ما فقدناه.

    وتفضلوا بقبول وافر التقدير،،

    م.م الإمام عبداللطيف الإمام