من دفاتر الزمن الجميل… رحلة العمر ومشوار السنين (4)

  • بتاريخ : 14 أبريل، 2026 - 6:54 ص
  • الزيارات : 29
  • بقلم/ الطيب مضوي شيقوق

    “كاتب – روائي – محامي”

    الحلقة الرابعة

    مع الوالد… حين نتعلّم من الأرض

    لم تكن الطفولة في قري الدندر فصلًا منفصلًا عن العمل، بل كانت تمضي في خطٍ متوازٍ مع المسؤولية، تكبر معها، وتتشكّل على إيقاعها.

    فبعد أن عرفنا اللعب، جاء الدور لنعرف معنى آخر للحياة… معنى أن تكون يدك جزءًا من الأرض، وأن يكون جهدك امتدادًا لما يغرسه الكبار.

    مع الوالد، لم تكن الحقول مجرد مساحاتٍ للزراعة، بل كانت مدرسةً مفتوحة، لا جدران لها، ولا سبورة، لكن دروسها كانت تُكتب على التراب، وتُحفظ في الذاكرة.
    نمضي معه في الصباحات الباكرة، حيث النسيم يحمل رائحة الندى، والأرض تنتظر من يوقظ فيها الحياة.
    نتعلّم كيف تُمسك اليد بالمحراث، لا كأداةٍ فقط، بل كعهدٍ بين الإنسان والأرض.
    نرى كيف تُبذر البذور، لا بعشوائية، بل بثقةٍ في غدٍ لم يأتِ بعد. وكان الصبر أول ما نتعلمه… فالأرض لا تعطي أسرارها على عجل، ولا تُكافئ من يستعجلها.

    ولم تكن دروس الأرض وحدها ما نتعلمه…بل كانت الحكمة تسير بيننا على ألسنة الكبار، تختصر التجربة في كلماتٍ قليلة، لكنها عميقة الأثر.

    كنا نسمع مقولة الشيخ فرح ود تكتوك تتردد:
    “إيد البدري ازرعي بدري، وحشي بدري، واحصدي بدري… شوفي كان تنقدري”

    لم نكن ندرك يومها كل أبعادها، لكنها كانت تستقر في داخلنا شيئًا فشيئًا…حتى صارت نهجًا نعيش به دون أن نشعر. ومنها تعلّمنا أن البكور ليس مجرد وقت، بل مفتاحٌ للبركة، وأن من يبدأ مبكرًا، يملك زمام يومه قبل أن يسبقه الآخرون.
    فصرنا نصحو باكرًا، لا لنلحق بالعمل في الحقول فحسب، بل لنراجع دروسنا أيضًا، كأن ما نزرعه في الأرض، نزرع مثله في عقولنا.

    كانت الزراعة، في ظاهرها، عملًا شاقًا…لكنها، في حقيقتها، كانت احد فصول الدراسة ؛

    تعلمنا أن ننتظر المطر، وأن نرضى بالقليل، وأن نُدرك أن بعض النتائج ليست بأيدينا مهما بذلنا من جهد.
    وكان الوالد، بصمته قبل كلماته، يعلّمنا أكثر مما يقول.
    لم يكن يُكثر التوجيه، لكنه كان يُحسن الفعل، فنفهم منه ما لا يُقال. نراقبه وهو يزرع، وهو يسقي، وهو يتفقد الزرع كأنما يتفقد أبناءه… فنعرف أن العلاقة بالأرض ليست مهنة، بل انتماء.
    نحمل الماء، نساعد في تجهيز الأرض، نتابع نمو الزرع بفرحٍ صغير كلما ظهرت أولى الخُضرة، كأننا شركاء في المعجزة.

    ولم يكن التعب يومها عبئًا، بل كان وسامًا خفيًا نشعر به دون أن نتحدث عنه.

    وفي تلك الحقول، تعلّمنا أن الحياة لا تُبنى بالنيات وحدها، بل بالعمل، وأن الغد لا يأتي صدفة، بل يُصنع على مهل، حبةً حبة، وجهدًا فوق جهد.
    وكان للمساء، بعد يومٍ طويلٍ في الحقول، طقوسه التي لا تُنسى…

    نعود من الزراعة زرافاتٍ ووحدانًا، وقد أنهكنا التعب، لكننا نحمل في داخلنا رضًا لا يُشترى. نمضي على ظهور حميرنا أو جمالنا، نقطع الطريق على مهل، كأننا نؤجل الوصول لنُطيل بقاء تلك اللحظة.
    كان كل مزارعٍ يعود، لا خالي الوفاض، بل محمّلًا بما تيسّر من لوازم البيت…

    لكن ما كان يلفت النظر حقًا، أن أغلبهم كان يحرص على أن يحمل على ظهر دابته أعوادًا من حطب الطلح، وكأنها جزءٌ لا يكتمل المشهد بدونه.
    لم نكن يومها نعلم سرّ الطلح…كنّا نظنه مجرد حطبٍ للتدفئة، أو وقودٍ يُعين على قسوة الليالي… لكننا، حين كبرنا، أدركنا أن الأمر أعمق من ذلك…
    فقد كان الطلح، في صمته، رسالة حبٍ صادق يحملها الرجل إلى بيته، دون أن يقول كلمة.كان عطاءً لا يُعلن، واهتمامًا لا يُشرح، ودفئًا يبدأ من القلب قبل أن يصل إلى النار.

    وهناك… عند عتبة البيت، كانت الوالدة تنتظرنا.
    تُعدّ العشاء في هدوء، وكأنها تعرف مقدار ما نحمله من تعبٍ دون أن نسأل.
    وكانت تُجهّز لنا ماءً دافئًا، يُقال إنه يُريح الجسد من عناء النهار…لكننا كنا نشعر أنه يُريح الروح قبل الجسد، كأن دفئه امتدادٌ لحنانها الذي لا ينقطع.
    نجلس، نأكل في صمتٍ تكسوه الطمأنينة، ونشعر أن اليوم، بكل ما فيه، قد اكتمل…
    لا بنهاية العمل، بل بتمام العافية، وامتلاء القلب.

    وحين أستعيد تلك الأيام، أدرك أن ما زرعه الوالد في الأرض، لم يكن أقل مما زرعه فينا…
    فقد علّمنا كيف نصبر، وكيف نعمل، وكيف نثق أن لكل تعبٍ ثمرة، وإن تأخرت.

    تلك كانت مرحلة أخرى من الرحلة…حيث لم نعد نركض خلف اللعب وحده، بل بدأنا نسير في درب الحياة، بخطىً صغيرة، لكنها كانت واثقة.
    ومن بين صفوف الزرع، وتحت شمسٍ تعرف أسماءنا،كانت الرحلة تمضي… نحو ما كُتب لنا أن نكونه.