واحة نفسية|| د. معاذ شرفي
لماذا تُولد الاضطرابات النفسية فينا؟
هل هي رغباتٌ استعصت على الإشباع؟
أم دوافعٌ تفلتت من قبضة السيطرة؟
أم علاقاتٌ أثقلها الصراع حتى انكسرت؟
أم لأننا لم نتعلم بعد كيف نُحب… وكيف نكون خيرًا في عالمٍ مثقلٍ بالألم؟
نحن لا نمرض نفسيًا لأننا ضعفاء…
بل لأننا نحمل داخلنا أكثر مما نستطيع قوله.
في داخل كل إنسان حكاية غير مكتملة…
رغبة تأجلت،
دمعة لم تُفهم،
خوف لم يجد من يطمئنه،
وقلبٌ حاول أن يكون قويًا… أكثر مما ينبغي.
الرغبات… حين تتحول إلى عبء
ليست الرغبة خطيئة…
لكن حين نربط قيمتنا بما نملك أو بما نحصل عليه،
تصبح الرغبة سجنًا نعيش داخله.
نريد أن نُحَب…
فإذا لم نُحَب كما نريد، ظننا أننا لا نستحق الحب.
نريد أن ننجح…
فإذا تعثرنا، شككنا في ذواتنا.
وهكذا… تتحول الرغبة من طاقة حياة
إلى مصدر قلقٍ واستنزاف.
الدوافع… صراع الداخل
في أعماقنا معارك لا تُرى:
بين ما نشتهي وما نؤمن به،
بين ما نريد أن نكونه… وما فُرض علينا أن نكونه.
وحين لا نُحسن إدارة هذا الصراع،
يتحول إلى توترٍ دائم…
وإلى صوتٍ داخلي لا يهدأ.
العلاقات… حيث يولد الألم أو يشفى
أكبر جروحنا لا تأتي من الحياة…
بل من البشر.
من كلمةٍ لم تُقال،
من اهتمامٍ لم يأتِ،
من حبٍ كان مشروطًا،
أو حضورٍ كان مؤقتًا.
في العلاقات نتعلم من نكون…
فإن كانت مضطربة،
تعلّمنا أن نشك… أن نخاف… أن نتعلق بما يؤلمنا.
الحب… حين نخافه بدل أن نعيشه
ليست المشكلة أننا لا نحب…
بل أننا أحيانًا نخاف من الحب.
نخاف أن نُرفض،
أن نُجرح،
أن نخسر أنفسنا في الآخر.
فنُخفي مشاعرنا… أو نُفرط فيها،
ونبقى بين الإفراط والتجنّب…
دون أن نصل إلى حبٍ متوازن يطمئن القلب.
لكن… لماذا كل هذا الحزن والخوف والقلق؟
لأننا… بشر.
الحزن ليس ضعفًا…
بل دليل على أن في حياتنا شيئًا يستحق.
الخوف ليس عيبًا…
بل نظام إنذار يحاول حمايتنا.
القلق ليس عبثًا…
بل عقلٌ يحاول أن يسيطر على ما لا يُسيطر عليه.
ولماذا نُثقل برأي الآخرين؟
لأن الطفل في داخلنا…
ما زال يبحث عن القبول.
ما زال يسأل:
هل أنا كافٍ؟
هل أنا محبوب؟
هل أنا مرئي؟
فنُرهق أنفسنا لنكون كما يريدون،
وننسى أن نكون كما نحن.
الحقيقة التي نغفلها…
الاضطراب النفسي ليس عدوًا…
بل رسالة.
رسالة تقول:
توقّف…
هناك شيء في داخلك يحتاج أن يُفهم، لا أن يُقمع.
هناك ألم يحتاج أن يُحتضن، لا أن يُنكر.
هناك إنسان داخلك…
يريد أن يُسمع.
وفي رحاب الهدي النبوي الشريف…
يقول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم:
“عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير…”
كأنما يعلّمنا أن الألم ليس نهاية الطريق…
بل جزء من الرحلة نحو النضج،
نحو المعنى،
نحو السلام.
فلسفة الوعي…
لسنا مطالبين أن نلغي الحزن،
ولا أن نهزم القلق،
بل أن نفهم:
متى نحزن… ولماذا؟
متى نخاف… وعلى ماذا؟
ومتى نصمت… ومتى نبوح؟
حين نفهم أنفسنا…
تتحول المعاناة من عبءٍ ثقيل
إلى بوابة وعي.
سؤال يتركه لك هذا النص…
إذا كان الألم جزءًا من تكويننا…
فهل نحن نحاول الهروب منه…
أم أننا لم نتعلم بعد كيف نصغي لما يريد أن يخبرنا به؟
واحة نفسية
مساحة إنسانية آمنة، نكتب فيها لنرمم الداخل، ونستعيد التوازن، ونحوّل الألم إلى وعي، والوعي إلى قوة، والقوة إلى فعل بناء.











إرسال تعليق