من دفاتر الزمن الجميل..رحلة العمر ومشوار السنين (3)

  • بتاريخ : 13 أبريل، 2026 - 6:55 ص
  • الزيارات : 42
  • بقلم /الطيب مضوي شيقوق

    “كاتب – روائي – محامي”

    الحلقة الثالثة:

    حين تفرغ الأيدي… وتفيض الذاكرة لعبًا

    ما إن نفرغ من مهام العليقة، وقد هدأ صخب النهار واستقر القطيع في مرابضه، حتى نشعر كأننا نخلع عن أرواحنا ثقل اليوم، ونعود خفافًا كما كنا… أطفالًا لا يحملون من الدنيا إلا ضحكتها.

    هناك، في تلك اللحظة المعلّقة بين آخر خيطٍ من ضوء الشمس وأول أنفاس المساء، كانت الطفولة تستعيد سلطانها، وتفتح لنا بابها الواسع… باب اللعب.
    تندفع خطانا إلى مياديننا التي لا تُعرف بحدودٍ ولا تُرسم على أرض، بل تسكن في الذاكرة وحدها. لا أسوار تحيط بها، ولا قوانين تضبطها، سوى اتفاقٍ صامت على أن يكون الفرح مطلقًا، واللعب بلا نهاية.
    كانت ألعابنا، في ظاهرها، غاية في البساطة… لكنها كانت في جوهرها حياةً كاملة.

    “حَرّت”، حيث ينفلت الجسد من قيده، فنعدو بلا حساب، كأن الريح تُلاحقنا أو نُلاحقها.
    و“أم العتينوبة”، حيث لا تنجو السرعة وحدها، بل يحتاج المرء إلى فطنةٍ تُباغت، وذكاءٍ يسبق الخطوة.
    ثم ترتفع أصواتنا، في نغمةٍ جماعيةٍ لا تُنسى:
    “شليل وين راح… أكلو التمساح”
    نرددها، لا لنعرف معناها، بل لنعيش إيقاعها… فنضحك، ونجري، ونسقط، ثم ننهض، كأن السقوط نفسه جزءٌ من اللعبة.

    لم تكن تلك اللحظات لعبًا عابرًا…
    كانت زمنًا خالصًا لنا، لا ينازعنا فيه أحد. نتعلم فيه، دون أن نعلم، كيف نختلف بلا خصومة، وكيف نتصالح بلا اعتذار، وكيف نعود بعد كل جولة كما كنّا، بقلوبٍ لا تعرف الضغينة.
    وكان التراب… ذلك التراب الذي علق بأقدامنا وثيابنا، شاهدًا علينا. نسقط عليه فيحتضننا، ونركض فوقه فيحملنا، وكأن بيننا وبينه عهدًا قديمًا لا يُكتب.

    ومع امتداد اللعب، كان الوقت يتسلل من بين أيدينا دون أن نشعر…حتى إذا أرخى المساء ستاره، وهدأت الأصوات قليلًا، وقفنا لحظةً صامتة، كأننا نُحصي ما بقي من الضوء، أو نُؤجّل وداعه.
    ثم تبدأ العودة…لا على عجل، بل على مهلٍ يليق بمن لا يريد أن تنتهي الحكاية.
    خطواتنا بطيئة، وأصواتنا أخفت، لكن في داخلنا ضجيجٌ جميل لا يهدأ… ضجيج الضحكات التي لم تنطفئ بعد.

    لكن نهاية اللعب لم تكن نهاية اليوم، بل كانت بدايته الأخرى…
    بدايته التي تنسحب فيها الحركة إلى السكون، ويبدأ فيها العالم الحقيقي داخلنا لا حولنا.

    هناك، في حضرة “الحبوبة”، لم يكن الليل نهايةً للطفولة، بل امتدادًا لها في صورةٍ أهدأ وأعمق. نستلقي وقد هدأت الأصوات، فتبدأ الرحلة الثانية… رحلة لا تُقاس بالخطى، بل بالخيال. قصص ود النمير وجقدول و المرفعين و روايات اب زيد الهلالي و بريقع ، وتمائم الحكايات الشعبية، تختلط تلك بعوالم أوسع تمتد إلى السندباد البحري ومغامراته في البحار البعيدة، وإلى عوالم ألف ليلة وليلة بما فيها من عجائب وسحرٍ ودهشة.

    كان صوت الحبوبة ينساب هادئا كالنهر، فيحملنا من يقظة القرية إلى فضاءاتٍ لا نعرف حدودها، فنغفو شيئًا فشيئًا، لكن القصص تظل تمضي داخلنا، تكمل طريقها في الحلم حين يتوقف السرد على الشفاه.

    وهكذا لم يكن الليل انطفاءً للحياة، بل إعادة تشكيلٍ لها…
    حيث تبدأ الطفولة من جديد، ولكن على وسادةٍ من حكاية، وغطاءٍ من الخيال.

    هكذا كانت أيامنا…
    تمضي بين جريٍ على التراب، وضحكاتٍ في الميادين، وحكاياتٍ عند الأمهات والجدات، حتى صار اليوم نفسه رحلةً كاملة، لا تُنسى.