*حوارات حول الأفكار(205)*
بقلم/ الدكتور حيدرمعتصم مدني
مدير مركز الخرطوم للحوار
الثورة كفعل مقاومة بنيوي* *ضد الاحتلال والهيمنة* *والاستبداد*
إذا كان المقال الثاني قد عرّف الثورة بوصفها فعلًا تراكميًا في الوعي، فإن بعدها البنيوي يحدد موضوع هذا الوعي: ما الذي يُقاوَم؟ وما الذي يجب تفكيكه؟ وما الذي يجب إعادة تأسيسه؟
الثورة في هذا الإطار ليست غضبًا ضد حكومة، بل مواجهةً مع بنيةٍ مختلة تمسّ السيادة والشرعية والتمثيل.
أولًا: الثورة ومفهوم الهيمنة
الاحتلال ليس دائمًا جنديًا على الأرض.
الاستعمار لا يكون دائمًا علمًا مرفوعًا فوق مبنى رسمي.
هناك أشكال أكثر تعقيدًا من السيطرة:
ارتهان القرار السياسي للخارج
التبعية الاقتصادية التي تصادر الإرادة الوطنية
الهيمنة الثقافية التي تعيد تشكيل الوعي الجمعي
شبكات مصالح داخلية تعمل بوظيفة استعمار غير مباشر
الثورة في بعدها البنيوي تقف ضد هذه الأشكال جميعًا، لأنها تقوض شرط السيادة الذي تقوم عليه الدولة.
فالدولة التي لا تملك قرارها ليست دولة كاملة، والمجتمع الذي لا يتحكم في موارده لا يملك مستقبله.
ثانيًا: الثورة والاستبداد الداخلي
كما تقاوم الثورة الهيمنة الخارجية، فهي تقاوم كذلك:
احتكار السلطة
عسكرة المجال السياسي
تعطيل الدستور
تأبيد الحكم خارج الإرادة الشعبية
الاستبداد، مدنيًا كان أو عسكريًا، هو مصادرةٌ لحق المجتمع في إنتاج قواعد حكمه. وهو في جوهره ادعاء تمثيلٍ بلا تفويضٍ دستوري.
الثورة هنا ليست رفضًا لشخص الحاكم، بل رفضًا لبنيةٍ تجعل السلطة فوق المجتمع بدل أن تكون ناتجةً عنه.
ثالثًا: مسألة التمثيل وادعاء الشرعية
أخطر ما يهدد الدولة ليس فقط الاستبداد، بل ادعاء تمثيل الشعب دون مرجعيةٍ دستورية واضحة, فالشعب، بوصفه صاحب السيادة، لا يُمثَّل بالشعارات، ولا يُختزل في ميادين، ولا يُختطف باسم الطائفة أو الحزب أو القوة المسلحة.
التمثيل لا يكتسب شرعيته إلا عبر:
عقد اجتماعي متوافق عليه
دستور يُجسّد هذا العقد
انتخابات حرة تفرز سلطة خاضعة لهذا الدستور
خارج هذا الإطار، يصبح كل ادعاء تمثيلٍ ادعاءً سياسيًا لا شرعية دستورية له.
رابعًا: الثورة وإعادة تأسيس الشرعية
الثورة في بعدها البنيوي لا تكتفي برفض الهيمنة أو الاستبداد، بل تسعى إلى إعادة تعريف الشرعية ذاتها.
الشرعية ليست:
شرعية القوة
ولا شرعية التاريخ
ولا شرعية الثورة ذاتها
بل شرعية مستمدة من عقدٍ اجتماعي يعبر عن المجتمع بكل تنوعاته، ويضع قواعد ملزمة للحاكم والمحكوم معًا.
وهنا تتحول الثورة من أداة إسقاط إلى أداة تأسيس.
خامسًا: العلاقة بين القومي والوطني في البعد البنيوي
في هذا السياق، يتكامل البعد القومي مع البعد الوطني:
القومي يحمي الهوية الجامعة من التفكك والاختطاف.
الوطني يؤسس للدولة ذات السيادة ضمن حدودها المعترف بها.
الثورة القومية الوطنية إذن هي:
تحريرٌ للهوية من التوظيف الإقصائي،
وتحريرٌ للدولة من الارتهان،
وتحريرٌ للسلطة من الاحتكار.
سادسًا: الثورة كعملية تفكيك وإعادة بناء
البعد البنيوي للثورة يقوم على حركتين متلازمتين:
تفكيك بنية الهيمنة والاستبداد
إعادة بناء بنية الشرعية والسيادة
لا يكفي أن نسقط سلطة؛بل يجب أن نُعيد تصميم القواعد التي تُنتج السلطة.
ولا يكفي أن نرفض التدخل الخارجي؛
بل يجب أن نُحصّن القرار الوطني ببنية مؤسسية مستقلة.
خاتمة :
الثورة، في بعدها البنيوي، هي مقاومةٌ مستمرة لكل شكلٍ من أشكال مصادرة الإرادة الوطنية، سواء جاء من الخارج أو من الداخل. وهي لا تبلغ غايتها إلا حين تتحول هذه المقاومة إلى تأسيسٍ دستوريٍّ يعيد السلطة إلى الشعب عبر عقدٍ اجتماعي جامع ودولةٍ ذات سيادة.
بهذا المعنى، الثورة ليست حدثًا احتجاجيًا، بل مشروع إعادة بناءٍ شامل لبنية الشرعية والسيادة.










إرسال تعليق