من دفاتر الزمن الجميل… رحلة العمر ومشوار السنين (2)

  • بتاريخ : 12 أبريل، 2026 - 8:25 ص
  • الزيارات : 52
  • بقلم /الطيب مضوي شيقوق

    “كاتب – روائي – محامي”

    الحلقة الثانية:

    من دفاتر الزمن الجميل… رحلة العمر ومشوار السنين
    الحلقة الثانية:

    البردانة… مهد البدايات ومراتع الصبا
    في البردانة، حيث وُلدتُ، لا تبدو القرية مجرد مساحةٍ على الخريطة، بل كأنها ذاكرةٌ حيّة تمشي على قدمين، وتتنفس مع الناس صباحًا ومساءً. هناك يبدأ المعنى الأول للحياة، قبل أن تتشكل الأسئلة، وقبل أن تتشرّب الروح أولى دروسها من التراب والماء والناس.
    كانت القرى في السودان – على اختلاف ألوانها واتساع جغرافيتها – تتشابه في جوهرها الإنساني؛ بساطة العيش، وصدق العلاقات، واعتماد الناس على ما تمنحه الطبيعة بقدر ما يمنحونه لها من جهدٍ وصبر. لم تكن الحياة ميسورة، لكنها كانت ممتلئة بالمعنى، متصلة بالأرض اتصال من يعرف أنه جزءٌ منها، لا مجرد عابرٍ عليها.

    في تلك الأيام، كان للصباح رائحة مختلفة…
    نرعى الأغنام، نمضي خلفها في المراعي، نراقب خطاها وكأننا نكتشف العالم معها. ونترقّب عودة الأبقار من “السِّرحة” في مساء كل يوم، بلهفةٍ صادقة، كأنها تحمل معها سكينة النهار وخلاصة التعب.

    وكانت التقاقيب جزءًا من طقوس الحياة؛ كيمانٌ من الخشب تُغطّى بروث الأبقار، تُشعل فيها النار، فيتصاعد الدخان ليطرد الحشرات عن القطيع. مشهدٌ بسيط، لكنه يعكس انسجامًا عميقًا بين الإنسان والطبيعة، حيث لكل شيءٍ دوره، ولكل جهدٍ معناه.
    نُعدّ العليقة بأيدينا، ونقدّمها للأبقار، ونحرسها كأننا نحرس جزءًا من حياتنا. لم يكن ذلك عملًا عابرًا، بل درسًا مبكرًا في المسؤولية، يُغرس فينا دون شرح، ويكبر معنا دون أن نشعر.

    لكن للفجر في البردانة حكاية أخرى…
    لحظاتٌ لا تُنسى، حين كنا نخرج قبل أن يكتمل الضوء، وقد التحفنا توب الدمورية، أو شالًا قديمًا كان يومًا “إحرامًا” لأحد الذين أكرمهم الله بزيارة أرض الحجاز. كنا نلتف به لا لندفع برد الصباح فحسب، بل كأننا نستدفئ بحكاياته التي لم تُروَ.

    نمضي نحو بيت العمة فاطمة بت الضو – رحمها الله – حيث نارها لا تخبو في ليالي الشتاء.
    كانت تلك النار أكثر من وسيلة تدفئة… كانت مجلسًا، وملتقى، وناديًا مصغرًا تنعقد فيه جلساتنا الأولى. حولها نجلس، نمدّ أيدينا للدفء، ونحتسي الشاي الذي كانت تُعدّه بطيبٍ يشبه روحها، ونتبادل حكايات الأمس ببراءةٍ لا تعرف التكلف.
    هناك، في ذلك الركن الصغير، تعلّمنا كيف تُروى الحكاية، وكيف يُنصت الآخر، وكيف تتحول التفاصيل البسيطة إلى معنى.

    لم يكن أحدٌ يدوّن، لكن الذاكرة كانت أصدق من كل دفاتر العالم.
    في البردانة، لم تكن الطفولة ترفًا، بل كانت حياةً كاملة تُعاش بكل ما فيها من تعبٍ ودفء.

    نتعلم من الأرض الصبر، ومن الحيوان الرفق، ومن الكبار هيبة الكلمة، ومن تلك المجالس الصغيرة معنى الألفة.

    وحين أستعيد تلك الأيام، لا أراها مجرد صورٍ باهتة، بل أراها حيّةً في داخلي، كأنها لم تغادرني يومًا.

    فمن هناك… من دفء النار في فجرٍ بارد، ومن رائحة الشاي، ومن ترقّب المساء، بدأت الرحلة… قبل أن ندرك أننا نسير في طريقٍ طويل.

    تلك هي البردانة…
    ليست فقط مكان الميلاد، بل المعنى الأول للحياة.