ابقَ كما أنت… فالنقاءُ قوةٌ لا يملكها الجميع

  • بتاريخ : 10 أبريل، 2026 - 9:37 ص
  • الزيارات : 16
  • قهوتي || شذى عبد الله طه

    في عالمٍ تتبدّل فيه القيم كما تتبدّل الفصول، ويغدو التنازل عن المبادئ طريقًا مختصرًا نحو القبول، يصبح البقاء نقيًا فعلًا استثنائيًا لا يقدر عليه إلا القلّة. فالنقاء ليس سذاجة، كما يظنه البعض، ولا ضعفًا يُستغل، بل هو قوة داخلية صامتة، تنبع من روحٍ لم تُدنّسها المصالح، ولم تُشوّهها التجارب القاسية.
    أن تبقى كما أنت، يعني أن تصون قلبك من القسوة، حتى حين تتكاثر الخيبات، وأن تحافظ على صدقك في زمنٍ ازدحمت فيه الأقنعة. هو أن تختار الخير لا لأن العالم يستحقه، بل لأنك أنت تستحق أن تبقى نقيًّا. فالنقاء ليس ردّة فعل على الآخرين، بل انعكاسٌ لما يسكن أعماقك.
    كثيرون تغيّروا لأنهم ظنّوا أن التغيّر درع يحميهم من الألم، وأن القسوة تضمن لهم البقاء. لكن الحقيقة أن ما يحمي الإنسان حقًا هو صفاء قلبه، لا صلابته الزائفة. فالقلب النقي قد يتألم، لكنه لا يفسد، وقد ينكسر، لكنه لا يتحوّل إلى مصدر أذى. إنه ينهض في كل مرة، أكثر وعيًا، وأكثر اتزانًا، دون أن يفقد إنسانيته.
    النقاء ليس أن تكون مثاليًا، بل أن تكون صادقًا. أن تخطئ دون أن تتخلى عن ضميرك، وأن تسامح دون أن تُهدر كرامتك، وأن تمضي في طريقك دون أن تحمل في قلبك ضغينة. هو أن تنام مطمئنًا، لأنك لم تجرح أحدًا عمدًا، ولم تخن ثقة، ولم تتنازل عن قيمك.
    وفي ميزان الحياة، لا يُقاس الإنسان بما يملك، بل بما يحتفظ به من صفاء رغم ما فقد. فهناك من ربحوا العالم وخسروا أنفسهم، وهناك من خسروا الكثير لكنهم احتفظوا بقلوبٍ بيضاء لم تُلطّخها الأيام.
    لذلك، ابقَ كما أنت.
    لا تسمح لخذلانٍ عابر أن يطفئ نورك، ولا لتجربةٍ قاسية أن تُشوّه نقاءك. فالعالم لا يحتاج إلى مزيدٍ من القسوة، بل إلى قلوبٍ صادقة تُعيد إليه توازنه.
    وإذا كان النقاء نادرًا، فندرته هي قيمته.
    وإذا كان طريقه صعبًا، فشرفه يكمن في صعوبته.
    ابقَ كما أنت…
    فالنقاءُ قوةٌ لا يملكها الجميع.

    قهوتي أحب شربها باردة

    شذى عبدالله طه زين الدين

    كاتبة – معلمة