بقلم / الطيب مضوي شيقوق
“محامي – مستشار قانوني”
في رواية «طائر الشؤم» لا يصرخ الطائر عبثًا ولا يحلّق في فراغٍ بلا معنى بل يأتي صوته مشحونًا بدلالات القلق وإنذارٍ مبكرٍ بأن شيئًا ما في بنية المجتمع قد بدأ يختل وأن ما يبدو ساكنًا على السطح يخفي تحته توترًا قابلاً للانفجار هكذا صوّر فرانسيس مادينغ دينق مجتمعه وهو يتأرجح بين انتماءاتٍ ضيقة وأفقٍ وطنيٍّ أوسع وهكذا نجد أنفسنا اليوم نقرأ الرواية لا بوصفها عملًا أدبيًا مضى زمنه بل كمرآةٍ تعكس حاضرًا يتشكل أمامنا بقلقٍ بالغ
إن الفتنة القبلية حين تبدأ لا تعلن عن نفسها في هيئة صراعٍ شامل بل تتسلل في هيئة كلماتٍ عابرة ونعراتٍ مستترة وتمايزاتٍ تبدو في ظاهرها بريئة لكنها في جوهرها تؤسس لفرزٍ خطير بين أبناء الوطن الواحد وما أشبه هذه اللحظة ببدايات التحول التي عاشها بطل «طائر الشؤم» حين وجد نفسه ممزقًا بين عالمين عالم القبيلة بما فيه من دفء الانتماء وعالم الدولة بما فيه من اتساع الرؤية ولم يكن الخطر في أيٍ منهما بل في العجز عن التوفيق بينهما.
لقد أدرك دينق أن الأزمة الحقيقية ليست في التنوع بل في سوء إدارته وأن الهوية حين تُختزل في بعدها القبلي تتحول من مصدر غنى إلى أداة صراع ومن جسرٍ للتعارف إلى متراسٍ للمواجهة وما نراه اليوم من تصاعد خطاب الكراهية والتخوين على أساس الانتماء هو في حقيقته إعادة إنتاج لذلك المأزق القديم الذي حذر منه الطائر في صمته قبل صوته.
إن الوطن لا يُبنى على غالبٍ ومغلوب ولا على قبيلةٍ تنتصر وأخرى تنكسر بل يُبنى على عقدٍ اجتماعيٍّ يعترف بالجميع ويستوعبهم ويمنحهم الإحساس بأنهم شركاء لا رعايا وأن اختلافهم ليس لعنة بل فرصة وما لم ندرك هذه الحقيقة فإننا نكون قد اخترنا أن نصم آذاننا عن صرخة الطائر وأن ننتظر حتى تتحول الهمسات إلى صداماتٍ لا تُبقي ولا تذر.
ولعل أخطر ما في الفتنة القبلية أنها لا تكتفي بتمزيق الحاضر بل تمتد لتعيد تشكيل الذاكرة فتغرس فيها سرديات الشك والمرارات وتحوّل التاريخ المشترك إلى رواياتٍ متنازعة عندها لا يعود الصراع على الموارد أو السلطة وحدها بل يصبح صراعًا على المعنى ذاته على من نحن ومن يحق له أن يكون هنا وهذه هي اللحظة التي تتحول فيها الأزمة من خلافٍ عابر إلى شقاقٍ وجودي.
من وحي «طائر الشؤم» ندرك أن التحذير لا يأتي دائمًا في صورة عاصفةٍ هوجاء بل قد يأتي في صورة نسمةٍ خفيفة تحمل رائحة الخطر فإن تجاهلناها كبرت حتى تعصف بكل شيء وإن أصغينا إليها استطعنا أن نعيد ترتيب البيت قبل أن يسقط سقفه فوق رؤوسنا.
إن الفتنة القبلية التي تلوح ملامحها اليوم ليست قدرًا محتومًا بل خيارًا إن تركناه يتمدد بلا مقاومة وخيارًا آخر إن واجهناه بالحكمة والمناصحة وإعلاء قيمة الوطن فوق ما سواه وهنا فقط نكون قد فهمنا رسالة الطائر لا بوصفه نذير شؤم بل رسول تنبيه يدعونا أن نفيق قبل أن يصبح الندم هو اللغة الوحيدة التي.











إرسال تعليق