د. عبد العظيم حسن المحامي يكتب : التيار المستقل [2]

  • بتاريخ : 27 مارس، 2026 - 8:46 ص
  • الزيارات : 37
  • دولة القانون|| د. عبد العظيم حسن المحامي

    لا يستطيع إدارة دولة أو شأنٍ عام من يفتقر إلى أدوات علم السياسة ومعارفه. فالسّياسة ليست مجرد انتماءٍ حزبي، بل هي فن إدارة شؤون الناس وفق الممكن من الظروف. والسياسي المحترف، بلُغتنا السودانية، قادر على “صناعة الشربات من الفسيخ”. والسياسة اليوم علمٌ تمارسه فرق متكاملة تحت قيادة ملهمة تجمع بين الموهبة الفطرية والتأهيل العلمي والخبرة العملية.
    في السودان، ورغم تراكم التجارب السياسية، جاءت المحصلة مخيبة للآمال. إذ لم تستفد النخب من دروس الماضي، ولم تُدرك أن جوهر العمل السياسي هو منع الحروب، وإن وقعت، السعي العاجل لإيقافها. فمنذ ما قبل الاستقلال، اندلعت النزاعات وتوسعت تدريجياً حتى شملت معظم أنحاء البلاد. ويرجع هذا الإخفاق، في جانبٍ كبير منه، إلى سوء فهم مصطلح “المرحلة الانتقالية” وكيفية إدارتها. المدهش أن السودان شهد أربع فترات انتقالية دون أن يستفيد أو ينجح ولو في واحدة. فالفترة الأولى تلك التي أعقبت الاستقلال حتى انقلاب عبود، والثانية بعد ثورة أكتوبر حتى انقلاب نميري، والثالثة من سقوط نظام نميري حتى انقلاب 30 يونيو، والرابعة من ثورة ديسمبر حتى انقلاب أكتوبر 2021.
    الواقع يشير إلى أن السودان ظل في حالة انتقال مستمرة منذ الاستقلال، إلى أن تفاقم الوضع بحرب الخامس عشر من أبريل، التي أعادت البلاد إلى مربع أسوأ من حالات الانتقال المعتادة. لتجاوز إخفاقات الانتقال، تبرز ضرورة أن تتولاه كفاءات وطنية مستقلة، غير منتمية للأحزاب أو الحركات المسلحة. فقد أثبتت التجارب أن المحاصصات والتحالفات الضيقة والصراعات والصفقات بين القوى السياسية والعسكرية كانت السبب المباشرا في فشل تلك الفترات.
    إن الكفاءات غير المنتمية، بحكم تحررها من الأجندات الحزبية، تكون الأقدر على تجاوز تعارض المصالح الداتية مع الوطنية، ما يرفع فرص النجاح. وفي هذا السياق، يمكن الإشارة إلى بعض النماذج التي جمعت بين المهنية والاستقلال. وسنوضح في المقال القادم كيف يمكن للتيار المستقل تقديم هذه الكفاءات لقيادة البلاد والمضي نحو الاستقرار.