حين يدرك المواطن أنه الدولة :المدخل الحقيقي لإعادة التأسيس

  • بتاريخ : 26 مارس، 2026 - 7:39 ص
  • الزيارات : 32
  • بقلم/ حيدر معتصم مدني
    مدير مركز الخرطوم للحوار

    في سياق الأزمات المركبة التي يعيشها السودان، تبرز إشكالية جوهرية ظلت غائبة عن الوعي العام، رغم بساطتها الظاهرية وعمقها البنيوي:
    من هي الدولة؟ وأين تبدأ؟
    لقد ترسّخ في الوعي الجمعي، عبر تراكمات سياسية وتاريخية، أن الدولة كيان منفصل عن المجتمع، يتمثل في السلطة الحاكمة أو في مؤسساتها الرسمية. وبهذا الفهم المختزل، تحولت الدولة إلى “آخر” بعيد، يُنتظر منه الفعل، ويُحمّل وحده مسؤولية الفشل، بينما يتم إعفاء المجتمع – ضمنيًا – من دوره التأسيسي.
    غير أن هذا التصور ليس فقط قاصرًا، بل هو أحد الجذور العميقة للأزمة السودانية.

    *تفكيك الوهم :الدولة ليست* *السلطة*
    الدولة، في تعريفها الجوهري، ليست حكومة، ولا نظامًا سياسيًا، ولا حتى مؤسسات قائمة بذاتها؛
    بل هي منظومة تفاعلية تنشأ من:
    وعي المجتمع بذاته
    تنظيم علاقاته
    التزام أفراده بقواعد مشتركة
    وقدرتهم على تحويل هذا الوعي إلى مؤسسات
    بمعنى آخر:
    الدولة ليست ما يُحكم به الناس… بل ما يُبنى بهم ومن خلالهم.
    ومن هنا، فإن اختزال الدولة في السلطة هو اختزال للعقل السياسي، وإلغاء لدور المجتمع، وتمهيد موضوعي لانهيار أي مشروع وطني.

    *اللحظة المفصلية :حين* *يقول الفرد “أنا الدولة”*

    ليست هذه العبارة ترفًا فكريًا، بل هي لحظة تحوّل حقيقية في بنية الوعي.حين يدرك الفرد أنه “هو الدولة”، فإنه ينتقل من:
    موقع التلقي إلى موقع الفعل
    ومن عقلية الشكوى إلى عقلية المسؤولية، ومن انتظار الحلول إلى المساهمة في صناعتها
    هذا الإدراك يعيد تعريف العلاقة بين الفرد والوطن، بحيث لا يعود الانتماء مجرد شعور، بل يصبح التزامًا عمليًا يوميًا.
    لكن الأهم من ذلك، أنه يكسر الثنائية الزائفة بين “الدولة” و”المجتمع”، ويعيد دمجهما في وحدة عضوية واحدة بين الوعي الفردي والبناء المؤسسي غيرأن هذا الإدراك، رغم أهميته، يظل ناقصًا إذا لم يتحول إلى فعل منظم.فالدولة لا تُبنى بأفراد معزولين، مهما بلغ وعيهم، بل تُبنى عبر:
    مؤسسات مدنية

    تنظيمات أهلية

    أطر تشاركية تعكس الإرادة الجمعية
    وهنا يكمن التحدي الحقيقي:
    كيف ننتقل من وعي فردي مشتت إلى وعي جمعي مؤسسي؟
    الإجابة لا تكمن في القفز إلى قمة الهرم السياسي، بل في إعادة بناء القاعدة:
    من الحي

    من المدرسة

    من النقابة

    من المبادرات المحلية
    حيث يتجسد مفهوم “أنا الدولة” في ممارسات يومية، تتحول تدريجيًا إلى بنية مستقرة.

    *الأزمة السودانية :إغتراب* *المجتمع عن الدولة*

    إذا أردنا قراءة الواقع السوداني من هذا المنظور، سنجد أن أحد أبرز أوجه الأزمة هو:
    انفصال المجتمع عن فكرة الدولة
    هذا الانفصال لم يكن طبيعيًا، بل هو نتيجة:
    هيمنة نخب سياسية احتكرت تعريف الدولة

    تسييس المؤسسات بدل بنائها

    إضعاف المجتمع المدني وتحويله إلى أدوات وظيفية
    فأصبح المواطن:خارج معادلة الفعل، فاقدًا للإحساس بالملكية الوطنية، وغير معني فعليًا ببناء الدولة. وفي هذا السياق، لم تعد الدولة إطارًا جامعًا، بل ساحة صراع.
    *إعادة التأسيس :من القاعدة* *لا من القمة*

    كل محاولات الإصلاح التي تنطلق من قمة السلطة، دون إعادة بناء الوعي المجتمعي، مصيرها الفشل أو التشوه.
    ذلك لأن:
    الدولة التي لا يسكنها وعي مواطنيها… لا يمكن أن تستقر مهما بلغت قوة مؤسساتها.
    إعادة التأسيس الحقيقية تبدأ من:

    إعادة تعريف المواطن لدوره

    استعادة المجتمع لوظيفته

    بناء مؤسسات تعبر عن هذا الوعي
    وهنا فقط، يمكن أن تتحول الدولة من:
    كيان مفروض
    إلى
    مشروع مشترك

    *خاتمة* : من السلطة إلى الوطن
    حين يدرك المواطن أنه الدولة، تتغير المعادلة بالكامل.
    لا تعود الدولة سلطة تُخشى أو تُنتقد فقط، بل تصبح:

    مسؤولية تُحمل

    وهوية تُبنى

    ومشروعًا يُصان

    وفي هذه اللحظة، يبدأ التحول الحقيقي:
    من دولة تُدار من فوق… إلى وطن يُبنى من القاعدة.