«العالم ينتظر الصفر… ماذا يحدث عندما تنتهي مهلة ترمب؟»

  • بتاريخ : 26 مارس، 2026 - 5:41 ص
  • الزيارات : 233
  • بقلم/ الطيب مضوي شيقوق

    “محامي ومستشار قانون”

    في السياسة الدولية، لا تبدأ الأزمات لحظة إطلاق الصواريخ، بل لحظة إعلان المهل الزمنية. هناك، في المسافة الفاصلة بين التصريح والتنفيذ، يعيش العالم حالة توتر صامت، كأن الجميع يقف أمام ساعة ضخمة يراقب عقاربها وهي تقترب من الصفر. وحين تصدر مهلة محددة عن شخصية سياسية مثيرة للجدل والتأثير مثل دونالد ترمب ، فإن العدّ التنازلي لا يصبح حدثًا أمريكيًا داخليًا فحسب، بل قضية عالمية تتقاطع عندها السياسة والاقتصاد والأمن والطاقة.
    خلال الأيام التي تسبق انتهاء أي إنذار سياسي، يتحول العالم إلى غرفة مراقبة كبرى. الأسواق المالية تترقب قبل الحكومات، وأسعار النفط تتحرك قبل الجيوش، والمحللون يملؤون الفضاء بتوقعات تتراوح بين الحرب الشاملة والتراجع الكامل. غير أن التجربة الحديثة تكشف حقيقة مختلفة: المهل السياسية نادرًا ما تكون طريقًا مباشرًا إلى الحرب، بل غالبًا ما تكون أداة ضغط نفسي تُستخدم لإعادة تشكيل موازين التفاوض.
    فالإنذار في جوهره ليس وعدًا بالفعل، بل محاولة لصناعة لحظة سياسية قسرية. حين تُحدد مهلة قصيرة، فإن الرسالة لا تُوجَّه فقط إلى الخصم، بل إلى الحلفاء والخصوم الداخليين والأسواق العالمية في آن واحد. إنها محاولة لخلق شعور بالعجلة، ودفع الأطراف الأخرى إلى اتخاذ قرارات تحت ضغط الزمن، حيث يصبح الخوف من المجهول أداة تفاوض أقوى من القوة العسكرية ذاتها.
    ومع اقتراب لحظة الصفر، يبدأ التناقض في الظهور. فالتصريحات تبدو حادة، لكن التحركات على الأرض أكثر حذرًا. تُرفع درجات الاستعداد العسكري، وتتحرك القطع البحرية، وتزداد الاجتماعات الدبلوماسية خلف الأبواب المغلقة. في الظاهر يبدو المشهد متجهًا نحو الانفجار، لكن في العمق تعمل السياسة على منع الانفجار نفسه. فالحرب الحديثة لم تعد قرارًا عسكريًا فقط، بل معادلة اقتصادية عالمية معقدة، حيث قد يؤدي صراع إقليمي واحد إلى اضطراب الأسواق الدولية وارتفاع التضخم واهتزاز حكومات بعيدة جغرافيًا عن موقع الأزمة.
    وعندما تنتهي المهلة، غالبًا لا يحدث ما انتظره الجميع. لا حرب شاملة ولا تراجع صريح. يظهر بدلًا من ذلك ما يمكن تسميته “التصعيد المضبوط”: خطوة محدودة، أو عقوبات جديدة، أو عملية رمزية تكفي لإثبات الحزم دون فتح باب مواجهة واسعة. هنا تحاول جميع الأطراف الحفاظ على توازن دقيق؛ فصاحب التهديد يحتاج إلى إظهار القوة أمام جمهوره، والطرف المقابل يحتاج إلى إثبات أنه لم يخضع للضغط.
    هذا النمط يعكس تحولًا عميقًا في طبيعة الصراع الدولي. فالقوة لم تعد تُقاس فقط بالقدرة على القتال، بل بالقدرة على إدارة التوتر دون الانزلاق إلى القتال. أصبحت السياسة أقرب إلى لعبة أعصاب طويلة، حيث يُستخدم الغموض كأداة استراتيجية، ويصبح عدم اليقين جزءًا من الردع نفسه. فالخصم لا يُراد هزيمته دائمًا، بل دفعه إلى إعادة الحسابات.
    لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في القرارات المقصودة، بل في الأخطاء غير المقصودة. فحين تتراكم التهديدات وترتفع مستويات الاستعداد، يصبح أي حادث صغير قادرًا على إشعال سلسلة ردود فعل لا يستطيع أحد إيقافها بسهولة. صاروخ خاطئ، تقدير استخباراتي مبالغ فيه، أو رد فعل ميداني متسرع قد يحول لعبة الضغط إلى مواجهة حقيقية. وهنا تكمن مفارقة سياسة حافة الهاوية: الجميع يعتقد أنه يسيطر على المشهد، حتى اللحظة التي يفلت فيها المشهد من الجميع.
    وربما لهذا السبب تنتهي كثير من المهل السياسية دون حدث دراماتيكي كبير، لكنها تترك أثرًا عميقًا. فهي تعيد رسم خطوط الردع، وتكشف حدود القوة، وتختبر تماسك التحالفات، وتُذكّر العالم بأن السياسة الدولية لم تعد تُدار فقط عبر القرارات النهائية، بل عبر إدارة التوقعات ذاتها.
    في النهاية، قد تمر لحظة الصفر بهدوء ظاهري، لكن الهدوء لا يعني غياب الصراع، بل انتقاله إلى مستوى أكثر تعقيدًا وأقل وضوحًا. فالتهديد في عصر الإعلام الفوري والأسواق الحساسة أصبح أحيانًا أقوى من التنفيذ، لأن الهدف لم يعد دائمًا إطلاق النار، بل جعل العالم كله يعيش على احتمال إطلاقه. وهكذا، لا تكون المهلة نهاية الأزمة، بل فصلًا جديدًا في لعبة دولية طويلة، حيث يبقى السؤال مفتوحًا دائمًا: هل كان العالم قريبًا من الحرب فعلًا، أم قريبًا فقط من فكرة الحرب؟