سياحة مع قصيدة

  • بتاريخ : 23 مارس، 2026 - 9:19 م
  • الزيارات : 38
  • بقلم /صبري محمد علي (العيكورة)

    والزمان كان أواسط ثمانينيات القرن الماضي والمكان كان (محطة الرمل) بمدينة الإسكندرية الساحرة بجوار شاطئ البحر الأبيض والوقت عصراً وكأن أشعة الشمس تنداح من مسجد سيدي المرسي أبو العباس غرباً فكلنا كنا نكتسي بشعاعها الآخّاذ
    لم يكن عدد الطلاب كثيراً يوم ذاك وكنّا شباباً مُتوثباً طموحاً كنا نسقط رائعة البرعي (مصر المُؤمّنة) على الجغرافيا وإن تحدثنا عن شط البحر طرّزناها ب (عطشان يا صبايا دلوني ع البحر) وأظنها لفريد الأطرش و إن جالسنا البحر في عطلاتنا لا ننسي لا ننسى رائعة صلاح أحمد إبراهيم (يا مرِّيا) و حمد الريّح وإن رأينا منارة الإسكندرية ليلاً تذكّرنا النور الجيلاني و (مدلينا)
    الأم سليلة أمهرا
    والوالد من قلب أثينا
    ترك الأهلين ذات مرّة
    وترنّح براً و سفينا

    قابلنا رجلاً سودانياً أنيقاً ذو هندام حسن بلباس (أفرنجي) إستوقفته أنا ومرافقي سلّمنا عليه نستكشف شأنه هو ليس في عمرنا ولم يكن في عُمر العرسان ولم تكن له صاحبة تتبعه حينها
    عرّفنا بإسمه و بأنه قادمٌ للسياحة من دولة الأمارات (علي ما أذكرُ) عرّفناها بشخصينا ودعوناه لزيارتنا بدار إتحاد الطلاب السودانيين بالإسكندرية (٣) شارع (اللخمي) المتفرع من تانيس محطة كيلوباترة الصغري

    بعد أن عرفنا أن ضيفنا هو الشاعر الفذ عبد القادر الكتيابي أحيا لنا ليلة شعرية ما زالت تُشنِّفُ أسماعنا و من يستمع للكتيابي يتذوق الحرف ندِّياً
    متى يتوقف
    متى يرتفع الصوت
    ومتى تنساب الحروف همساً
    ومتى يدغدغ قلبك نحو ما يُريد
    الكتيابي إن وجدت سانحة للإستماع إليه فافعل فالإستماع لهذا الرجل ليس كما القراءة

    (رسالة الى النيل) كانت قصيدة مؤثرة إبان فيضانات مدمرة إجتاحت السودان يوم ذات
    أهاج فينا لواعج الشوق فلم تستأذننا المآقي فسالت تعاطفاً مع أهلنا المنكوبين
    كان يرتفع الصوت و ينخفض بحجم الفاجعة والتوسل الى الله يقول فيها …..

    أشكوه لا ..حاشاه
    لم أسمع بعرقٍ قد شكا دمهُ
    ولا بفم شكا فمهُ
    فكيف وأنت زاد البيت
    كيف قدرت أن تنسى وتهدمهُ
    ولا أشكوه
    وتعبر ساعةُ التوديع خاطرتي
    تلاقينا وكان لقاؤنا وبراً
    كظهر القط يستبقي ببطنِ الكف ميستهُ
    و رمش الموج في خجلٍ يرُشُّ عليَّ نعسته
    أُمشِّطُ
    كُنتُ شعر الموج أذكُرُ
    يقشعرُّ الموجُ
    ثم يُلين ثم تلين لمستهُ
    فمن أين استعرت
    القرن و الأنياب من أينا
    و يا كيف اخترمت بهم جدار القلب و العينا
    وهل يا نيلُ
    آه من خيام الغيم تنزلُ
    بين بابينا
    وتدخل أنت من لا باب بين اللّحم و العظمِ
    تُضيع الخبز و الخبّاز
    تسخر من
    صُراخ الرُعب و اللّطم
    فأعلى عاصمٌ للطفل كتف أبيه
    أعلى عاصم لأبيه كتف أخيه فى المنفى
    فهل لبنٌ على صوم يُرطِّبُ حلمة الأُم ؟
    فيا نُوحُ
    أنا و الدارُ مهشومان والحُلقومُ مبحُوحُ
    فأين الفُلك
    قل يا ربُّ يا أرضُ إبلعي ماءك
    و قُل لسمائك إقتصدي
    فإنَّ السقف مجرُوحُ
    وأعلى عاصم أنت
    قضيت فكُنت ثم أردت ثم فعلت ما شئت
    تعاليت
    ولا أشكوه
    وتعبرُ ساعة التوديع خاطرتي
    يُحيرني خضوع النيل ساعتها
    و ملمس ظهره تحتي
    فكيف تُخبّىءُ الأمواجُ خلف جمالها موتي
    وتُخفي الرُّعب في الصمتِ
    لقد ناديتُ
    لفَّ الموجُ خاصرتي
    تُرى هلْ جَاءكَمْ صوتي
    وللكتيابي الكثير من الدُرر الشعرية كقصيدته (على كيفي)
    التي يقول مطلعها
    أُرقِّعُ جُبتي أو لا أُرقِّعها
    أطرّزُها من اللْالوب ألبسها
    على المقلوب
    أخلعها
    على كيفي
    أنا لم أنتخب أحداً
    وما بايعتُ بعد محمدٍ رجُلا

    متّع الله شاعرنا الكتيابي بالصحة والعافية

    الإثنين٢٣/مارس/٢٠٢٦م