“العيكورة” في مثل هذا اليوم

  • بتاريخ : 20 مارس، 2026 - 6:41 ص
  • الزيارات : 39
  • بقلم/صبري محمد علي (العيكورة)

    نعم هناك أشياء كثيرة تبدلت أو إنقرضت بطبيعة الأشياء إما برحيل شخوصها أو لتسارع المدنية ولكن ظلّت هناك ثوابت مازالت صامدة في أعيادنا بالقرية
    أوائل سبعينيات القرن الماضي و آواخر الستينيات ظلّت طفولتنا أسيرة وكذلك صبانا لتلك الفترة..


    صحيح لم يتغير موقع الجامع العتيق شرق القرية ولم تتبدّل الساحة التى كُنّا نلهو ونبتاع منها الألعاب والحلوى ولم يتغيّر موقع ديوان الشريف الصديق الذي كانت تنتهى عنده زفّة (مدحة) السفينة للشريف يوسف الهندي طيّب الله ثراه
    ولكن غابت تلك النكهات المميزة فقد رحلوا من كانوا يمشون بخطى متهادية ومشية تضبط الإيقاع واللّحن
    لا إله إلا الله
    محمد رسول الله
    يتكرّر بعد كل مقطع
    من الأبيات الشجية

    صلاة الواحد الرحمن
    على من جاء بالقرآن

    تعالى المالك السُلطان
    قديم الجود والإحسان

    وجلّ القادر المحمود
    على الإسلام والإيمان

    أدمنا شُكره المعبود
    ونرجر العفو والغفران
    والى آخر المدحة..

    عبد الله ود الطيب وصديقة الجيلاني ود السعيد محمد عباس (الخليفة) و محمد أحمد (شين) وهما (خيلان) الشريف والسماني ود أحمد المنصور و منصور ود كبريت وغيرهم
    كانت تبدأ عقب الصلاة والخطبة من المسجد العتيق وتنتهي داخل ديوان الشريف الصديق الهندي وهناك تدور حلقة إحتفالية قصيرة من المديح كُنّا نتبعها نفسح الطريق للكبار بينما نختار نحن الصغار جانبية حتى لا نعوق المسيرة

    لا أنسى أن دخول ديوان الشريف كان يعني (قُداحة) الفطور (الجاهزة) والشاي والحلوي و أُنس الكبار و تبادل التهاني وحديث كبارنا وطرفهم فيما بينهم لم نكُن نلقى لها بالاً

    و(الكاب)….
    هو رجل عرفناه من حواريي الشريف كُنّا نراه في مواسم الحوليات رجل يأتزر بعمامة يربط بها خاصرته يمشي حافياً يُقدِّمُ (الشاهي) والدعوات والطُرفة

    كثيرٌ من الناس لربما لا يعلمون أن الشريف الصديق الهندي (رحمة الله) أمه و خُؤلته من العيكورة (أولاد الحاج عباس) وسبق لي أن تناولت علاقة الشريف يوسف الهندي (بالعيكورة) في عدة مقالات سابقة وقد حواها كتابي الأخير الذي جاء تحت عنوان (أعزائى القراء شكراً على هذا البل) الذي صدر مُؤخراً بالقاهرة من إحدى دور الطباعة والنشر هناك وأسهبتُ في جُهدٍ مُتواضع في الإيضاح وفق ما تيسّر لي من معلومات و تقصىٍ

    أذكر أن (البرفيسور) علي شمو عندما قرأ تلك الحلقات كتب لي أنه لأول مرة يعلم أن الشريف الصديق شيخ الطريقة الهندية ببري والدته من (العيكورة) رغم صلته (البروف) بالعيكورة بأبناء عمومته أولاد أبروف لكنه قال لي أنه لم يكن يعلم علاقة الشريف (بالحِلِّة)

    المسجد الحالي (الحديث) بُني علي أنقاض ثلاثة مساجد سابقة ولكنها جميعاً على ذات الأرض التي وقفها الشريف الصديق من حُر ماله خصصها للمسجد

    فالأول قيل أنه تهدّم إبان فيضانات (٤٦) وحدثونا أن القرية إستخدمت المراكب في التنقل حينذاك

    ثم جاء بعده مسجد بطراز أحدث منه بُنى علي هيئة الأقواس وهذا ما شهدناه في طفولتنا الباكرة حتى آواخر الستينات قيل أن من بناه هو (الأسطى) سعدابي كان من أمهر بنائيي المساجد بمدني

    كان المؤذن هو إبراهيم ود حمدون (الدريويش) رجل (يترجم و يُهمّهِم) مع كلمات المديح و (نقر) الطار

    كان رجلاَ نحيفاً متوسط الطول إن رقص داخل حلقة ذِكرٍ ظل يقف و يدور بسرعة فائقة على رجلٍ واحده

    وأعتقد أن تلك كانت عقب فترة إمامة الفكي أبوعلامة منصور للمسجد وخلوته التي سمعت عنها ولكني لا أستحضرها حقيقة

    ثم أتى الجامع القديم الذي ما زال باقياً بناهُ أهل القرية بجواره على ذات الأرض (الوقف) الجامع الحديث الحالي والذي ما زال تحت التشطيب

    حقيقة كم تمنيتُ ….
    لو أن زرائبنا وأنعامنا بين البيوت ما زالت باقية

    فكان بين كل بيتٍ و بيت
    أبقار
    وأغنامٍ
    و حمارٌ (فخيم) لا يقل مهابة وإعتناءاً عن سيارات (اللّكزس) هذه الأيام

    بيوت بسيطة مُتقاصرة وحيشان لم تتجاوز الحطب والشوك ونبات (سلعلع) يتسلّقُها

    الدواوين أيضاً لم تعرف الحيشان و لا الأبواب وإن وجد باب فهو بغير قِفِلٍ و مِفتاح

    بل هي فسحات واسعة حولها تتناثر العناقريب و الأسرة والأباريق
    ليس هُناك أي مظهر من مظاهر الفخامة كما هو الآن .

    الشريف أحمد الشريف الصديق الهندي (ياخ) الكلام (كتير) والذكريات حلوة و مُحزنة
    *العيد مُبارك عليك ياخ*

    ولكل أهلنا الكُرماء بالعيكورة كل عام وأنتم بألف خير
    و رحم الله من مضى من أهلنا
    و رحم الله أبي محمد علي ود أحمد المنصور ذو العرق الضارب في أرض أجداده ب (الحُقنة)
    كان إذا أراد أن يُحدثنا عن الشريف الصديق و الشريف الحسين عدّل من جلسته وإنبسططت أسارير وجهه
    ثم حكى مُفاخراً بصفاتهم
    وما نحن إلا إمتداداً و وفاءاً لذاك الحب نُحبهم و نُبرهم

    الجمعة /أول أيام عيد الفطر المُبارك
    الموافق ٢٠/مارس/٢٠٢٦م