الأخطاء القاتلة في هيكلة الجهاز التنفيذي السوداني

  • بتاريخ : 18 مارس، 2026 - 10:17 م
  • الزيارات : 79
  • بقلم / م.الامام عبداللطيف الامام

    “وزير التخطيط العمراني السابق بولاية سنار”

    في مرحلةٍ فارقة من تاريخ السودان، تتعاظم فيها التحديات وتتعقّد مسارات التعافي، يغدو لزاماً إخضاع قرارات هيكلة الجهاز التنفيذي لميزان الدقة العلمية، والحكمة المؤسسية، والمسؤولية الوطنية. ذلك أن أي خلل في بنية المؤسسات السيادية لا يفضي فحسب إلى ضعف الأداء، بل قد ينتهي إلى شلل أدوات الدولة ذاتها في إدارة مواردها وصون مصالحها العليا، وهو ما لا تحتمله البلاد في هذه المرحلة الحرجة.

    *أولاً: إلغاء وزارة الري والموارد المائية*

    إن إلغاء وزارة الري والموارد المائية ودمج اختصاصاتها ضمن وزارة الزراعة، يُعدّ—في تقديرنا—خطأً استراتيجياً بالغ الأثر، وعميق التداعيات. فهذه الوزارة لم تكن مجرد جهاز إداري، بل كانت الذراع السيادية والفنية والتنفيذية التي تضطلع بإدارة المورد الأهم في البلاد: المياه، بكل تشعباته وتعقيداته.

    فهي الجهة المختصة بإدارة الأنهار والوديان والخيران والمياه الجوفية، والمشرفة على السدود والخزانات، والمنظمة لتوزيع المياه عبر القنوات الرئيسية لمشروعات الري، بما يكفل تحقيق التوازن بين الاستخدامات الزراعية والبيئية والاستراتيجية. كما تستند إلى منظومة فنية متكاملة ومتخصصة، تضم إدارات المشروعات، والميكانيكا،، وأعمال الري، والآليات؛ بما يعزز كفاءة التشغيل وإستدامة الأداء.

    ويزداد الأمر خطورةً عند استحضار البُعد الدولي لهذا القطاع، المرتبط بالأنهار العابرة والاتفاقيات المائية ذات الحساسية العالية، والتي تتطلب جهازاً مؤسسياً مستقلاً يتمتع بالكفاءة والخبرة والقدرة على التفاوض والإدارة الرشيدة. ولا يخفى أن ملف المياه يرتبط إرتباطاً وثيقاً بالأمن القومي، بما يجعل أي إضعاف لمؤسساته المختصة مخاطرة تتجاوز البعد الخدمي إلى البعد الاستراتيجي.

    إن تذويب هذه الوزارة في كيان آخر يُفضي—لا محالة—إلى تآكل خبراتها التراكمية، وتفكيك بنيتها المؤسسية، وإضعاف قدرتها على صيانة وتشغيل منشآت الري. كما يترتب على ذلك فقدان الذاكرة المؤسسية المتراكمة، التي لا يمكن تعويضها بسهولة، بما يهدد الأمن المائي والغذائي على حد سواء.

    *ثانياً: إلغاء وكالة التخطيط الاقتصادي*

    ولا يقل جسامةً عن ذلك إلغاء وكالة التخطيط الاقتصادي وتذويبها في إطار استشاري ضمن المجلس القومي للتخطيط الاستراتيجي. فالتخطيط، في الدول التي تمر بمرحلة إعادة بناء، ليس ترفاً مؤسسياً، بل هو عصب النهوض، وأداة الدولة المركزية في توجيه مواردها وتحقيق أولوياتها الوطنية.

    إن تحويل وظيفة التخطيط من موقعها التنفيذي إلى دور استشاري يُفرغها من مضمونها، ويقيد قدرتها على الفعل والتأثير. كما أن غياب جهاز تخطيط تنفيذي فاعل لا يعني فقط ضعف التنسيق، بل فقدان بوصلة الدولة في توجيه مواردها وتحديد أولوياتها.

    وكان الأولى—بل الأجدر—إنشاء وزارة تخطيط فاعلة، تتولى إعداد وتنفيذ ومتابعة برامج إعادة الإعمار والتنمية الشاملة، وتكفل التوزيع العادل والرشيد للموارد. كما أن تهميش الدور التنفيذي للتخطيط يُضعف آليات المتابعة والمساءلة، ويجعل الخطط عرضة للتعثر أو التبدد دون تقييم حقيقي لنتائجها.

    فالتخطيط ليس مجرد رؤى تُدوَّن، بل سياسات تُنفّذ، وبرامج تُتابع، ونتائج تُقاس.
    *الخلاصة:*
    إن هيكلة مؤسسات الدولة ليست مجالاً للاجتهاد غير الرشيد، ولا ساحةً لتغليب الرؤى الجزئية أو ما يُعرف بـ”العصبية المهنية”، بل هي شأن سيادي رفيع، يستوجب أعلى درجات الحكمة والتجرد، وإستصحاب المصلحة الوطنية العليا.

    وعليه، فإن تصحيح هذين المسارين لم يعد خياراً قابلاً للتأجيل، بل ضرورة ملحّة تقتضيها مصلحة الدولة وإستقرارها، حفاظاً على مؤسساتها الحيوية، وضماناً لفاعليتها في هذه المرحلة الدقيقة. فإستقامة البناء المؤسسي هي المدخل الصحيح لإستقامة الأداء العام، ولا سبيل إلى نهضةٍ حقيقية دون مؤسسات قوية، واضحة الاختصاص، مكتملة الصلاحيات.

    *نسأل الله أن يلهم القائمين على الأمر رشدهم،*
    *وأن يهيئ لهذا الوطن من أمره رشداً،*
    *والله المستعان*

    م. م. الامام عبداللطيف الامام