“ما بين “حَنَّانة” ومِنانة ضاع سودانَّا”

  • بتاريخ : 17 مارس، 2026 - 10:01 ص
  • الزيارات : 52
  •   نبض للوطن|| أحمد يوسف التاي

    (1)

    تقول الطُرفة، أن رجلًا تزوج من امرأتين، إحداهما تُدعى “حنانة”، والأخرى “منانة”، فكانتا تتجاذبان عليه  على الدوام، وتتنازعان وتصطرعان عليه حتى في اللاشيء، فكل واحدة منهما تريد الاستئثار به والتحكم فيه.. فكان كلما دخل على “حنانة” تنتف ما استطاعت من الشعرات البيضاء بلحيته، لأنها تريده ذا لحية سوداء مفعمة بروح الشباب.. وكان كلما دخل على “منانة” تمعط “السبيبات” السوداء لأنها لا تريده ذا لحية بيضاء متسربلا بالوقار .. وكلاهما تدفع بحجتها: هذه تريده شابا، وهذه تريده كهلا قورا.. المهم بعد “الدفسيبة” التي ظل يعايشها بأسى وآلام “المعط” وجد نفسه بلا لحية لا سوداء ولا بيضاء، فأطلق قولته المشهورة: (بين حنانة ومنانة ضاعت لِحانا)..

    (2)

    تظل هذه الطُرفة حاضرة في ذهني كلما أتذكر حال اليمين واليسار في السودان وهما يتنازعان ويتجاذبان ويصطرعان على السودان، فلا هما تركا له اللحية السوداء التي ترمز للشباب والمنعة والقوة، ولا اللحية البيضاء التي ترمز للوقار والرزانة والاحترام والتقدير، وكأن لسان حالنا نحن الشعب يردد مع ذلك الرجل المغلوب على أمره :(ما بين حنانة ومنانة ضاع سودانّا)..

    (3)

    انظروا إلى الدورة الشريرة لصراع اليمين واليسار … يتمكن اليمين من السلطة، وبدلا من استخدامها وسيلة للتنمية والحكم الرشيد ورخاء ورفاهية الشعب يستخدمها لضرب الخصوم وإضعافهم وللانتقام منهم  سحلا وقتلا وتنكيلا واعتقالات وتربص مستمر بهم لا يهدأ ولا يكل ولا يمل.. وعندما تلوح الفرصة لليسار ويمسك بناصية السلطة يفعل الشيء نفسه في خصومه السياسيين وقع الحافر على الحافر، صورة بالكربون.. كل تجاربنا السياسية تؤكد هذه الحقائق بدرجات متفاوتة حسب حجم الغبن وبواعث الانتقام، عدا رئيس الوزراء الأسبق الصادق المهدي الذي لم يكن ميالا للانتقام والتشفي ولا العنف..

    (4)

    هذه الحالة السودانية في دائرة الصراع الجهنمية تبدو أكثر وضوحًا في صراع الإسلاميين وقوى اليسار السوداني.. جاء نظام الإسلاميين، فنكل بالخصوم أشد تنكيل لم يتورع ولم يخف الله ولم يتقه في خصومه السياسيين.. وتحت وطأة القهر والتسلط والاستبداد توارت قوى اليسار وخافت والتزمت الصمت، وأحنت ظهرها للعاصفة وبدت وكأنها عائشة للانتقام تنظر لحظة الظفر بالسلطة لاستخدامها في تصفية الحسابات والتشفي وحظوظ النفس وأهوائها، لا من أجل استخدامها لتقديم نموذج حكم راشد يعمل للتنمية والاستقرار وتحقيق العدالة الاجتماعية وإزالة التشوهات.. وفعلا عندما  سقط نظام الإسلاميين واستحوذت قوى اليسار على حكومة الثورة، قرأت من ذات كتاب الإسلاميين نكلت وعذبت واعتقلت وأساءت معاملة المعتقلين بدافع الانتقام والتشفي، ووظفت السلطة لهذا الغرض، وقد كان لها..

    (5)

    وتحت وطأة قهر واستبداد قوى اليسار التي اختطفت الثورة توارى الإسلاميون وعاشوا أياما من الذعر والخوف، والتزموا الصمت كما يفعل أهل اليسار، ريثما تمر العاصفة.. وانتظار فرصة الظفر بالسلطة لإشباع شهوة الانتقام والتشفي، وما أن لاحت الفرصة في انقلاب البرهان على القوى المدنية في أكتوبر 2021 حتى عادت واجهات النظام المخلوع ونقاباته ورجالاته وكوادره، بينما قوى اليسار وجدت نفسها في السجون والمعتقلات، والملاجيء وما أشبه الليلة بالبارحة.. ولا شك أن الفرصة التي وجدها الإسلاميون في انقلاب أكتوبر 2021 كانت تتسع لهم شيئا فشيئا حتى بلغت الذروة أثناء حرب أبريل اللعينة والتي مكنت لعودة الإسلاميين إلى المشهد ولم تكتفِ بإبعاد قوى اليسار بل وضعتها في دائرة “العمالة والارتزاق”… الآن تنتظر قوى اليسار العودة للمشهد والسلطة مستعينةً ومستقويةً بالقرار الأمريكي الذي صنف إسلاميي السودان منظمة إرهابية، تستعد قوى اليسار للعودة للمشهد والسلطة لا من أجل تقديم النموذج الذي نحلم به في الحكم الديمقراطي المدني الراشد وبناء دولة القانون والمواطنة والمؤسسات بل من أجل الانتقام.. وإذا تم هذا السيناريو، سيختفي الإسلاميون مؤقتا وسيتوارون خلف الكواليس ريثما تحين فرصة الانقضاض على السلطة مرة أخرى وبأي وسيلة، لا لشيء إلا الانتقام والاستئثار بالسلطة.. وهكذا بين صراعات اليمين واليسار يضيع السودان… فمتى يفيق القوم من هذه السكرة.. الإشارات والمعطيات تقول سيفيقون عند وقع حوافر خيل الأعداء التي لن تستثني أحدًا، وحين لا ينفع الندم.. وهكذا حالنا.. (ما بين حنانة ومنانة ضاع سودانَّا…)…

    اللهم هذا قَسْمي فيما أملك..

    نبضة أخيرة: ضع نفسك دائما في الموضع الذي تحب أن يراك فيه الله، وثق أنه يراك في كل حين.