العيد بين وجع الفقد وبشائر الانتصار

  • بتاريخ : 15 مارس، 2026 - 4:24 م
  • الزيارات : 62
  • بقلم / المهندس الإمام عبد اللطيف

    “وزير التخطيط العمراني بولاية سنار الأسبق”

    ليس كلُّ عيدٍ فرحًا خالصًا.
    فبعض الأعياد تأتي محمّلةً بذكرياتٍ لا تهدأ، وأسماءٍ غابت عن البيوت لكنها بقيت حاضرةً في القلوب. وفي مثل هذه اللحظات ندرك أن الفقد لا يغيّب الأحباب بقدر ما يتركهم يسكنون الذاكرة… ويقيمون في الدعاء.

    يأتي العيد هذا العام وبلادنا تعبر منعطفًا تاريخيًا بالغ القسوة؛ حيث امتزجت دموع الفقد بزغاريد الصمود، وتعانق الألم مع الأمل. ففي الوقت الذي ما تزال فيه أرض السودان تئن تحت وطأة الحرب والنزوح، تسطر قواتنا المسلحة، ومعها المخلصون من أبناء الوطن، صفحاتٍ من الثبات والتضحية دفاعًا عن الأرض وصونًا لكرامة البلاد.

    لقد أعادت هذه التضحيات إلى القلوب شيئًا من اليقين بأن الأوطان، مهما اشتدت عليها المحن، لا تنكسر؛ بل تنهض من جديد حين ينهض أبناؤها صفًا واحدًا خلف رايتها، ويؤمنون بأن الوطن أكبر من الجراح، وأبقى من العواصف.

    ومع ذلك، فإن العيد وهو يطلّ هذا العام لا يأتي كما اعتدناه من قبل.
    إنه يجيء مثقلاً بذكرياتٍ موجعة، في زمنٍ تبدلت فيه الأحوال، وتفرقت فيه الأسر، وغابت عن البيوت تلك الطمأنينة التي كانت تملأ أركانها في مثل هذه الأيام.

    لم يعد العيد كما عرفناه؛
    ضحكاتٌ تتعالى في الأفنية، وزياراتٌ تتقاطر من كل صوب، وبيوتٌ تضج بالحياة.
    بل صار عند كثيرين وقفةً صامتة مع الذاكرة، ومحاولةً شاقة لمصالحة القلب مع الفقد.

    أما وجع هذا العيد، بالنسبة لي، فله اسم واحد…
    سلوى.

    رفيقة العمر التي كانت تجعل من العيد عيدين؛
    عيد التكبيرات… وعيد حضورها.

    كانت تعرف كيف تصنع من التفاصيل الصغيرة بهجةً كاملة:
    من ترتيب البيت في الصباح الباكر، إلى ابتسامتها التي كانت تسبق ضوء النهار، إلى ذلك الدفء الذي كانت تبثه في المكان حتى يبدو البيت كأنه يحتفل بأهله.

    كانت سلوى أكثر من رفيقة درب؛
    كانت روح البيت وسكينته، وكانت ذلك النور الخفي الذي يجعل الأشياء العادية أجمل مما هي عليه.

    واليوم يأتي صباح العيد مختلفًا.
    يجيء هادئًا أكثر مما ينبغي… وصامتًا أكثر مما اعتدناه.
    تمرّ اللحظات، وتتسلل الذكريات في صمتٍ ثقيل، حتى ليخيّل للمرء أن البيت نفسه يفتقدها.

    كم يكتشف الإنسان بعد الفقد أن بعض الناس لم يكونوا مجرد حضور في حياتنا، بل كانوا المعنى الذي يمنح الأيام دفئها.

    ومع ذلك، يبقى العزاء في أن الذكرى الصادقة لا تموت. فالأحباب الذين رحلوا لا يغيبون حقًا؛ بل يظلون مقيمين في تفاصيل أيامنا: في دعاءٍ صادق يخرج من القلب، وفي دمعةٍ لا نخجل منها، وفي يقينٍ راسخ بأن اللقاء مؤجل إلى دارٍ لا فراق فيها ولا غياب.

    وفي هذا العيد، لا يسع القلب إلا أن يرفع دعاءه إلى الله أن يتغمد سلوى بواسع رحمته، وأن يجعل مثواها الجنة، وأن يجمعنا بها في مستقر رحمته حيث لا حزن ولا فراق.

    كما نسأل الله أن يحفظ السودان وأهله، وأن يرحم شهداءه، وأن يردّ النازحين إلى ديارهم آمنين مطمئنين، وأن يجعل أعياده القادمة أعياد سلامٍ ووحدةٍ وطمأنينة.
    *أما أنتِ يا سلوى… فسيظل العيد يمرّ، وتبقى ذكراك أول ما يحضر في صباحه، كأن الفرح نفسه ما زال يبحث عنك.*
    ويبقى الأمل حيًا…
    ويبقى الدعاء صادقًا…
    ويبقى الوفاء لمن أحببناهم عهدًا لا ينقطع.
    رحمكِ الله رحمةً واسعة،
    وجعل لقاءنا بكِ في دارٍ لا فراق فيها

    *أعاد الله علينا وعليكم هذا العيد بالخير واليمن والبركات، وكل عام وأنتم بخير*