سحب تراخيص (31) محامياً في السودان: بين مقتضيات الأمن وضمانات القانون

  • بتاريخ : 13 مارس، 2026 - 6:44 ص
  • الزيارات : 66
  • بقلم: الطيب مضوي ريحان – المحامي والباحث القانوني

    أثار القرار المتداول بشأن سحب تراخيص (31) محامياً في السودان بدعوى التعاون مع قوات الدعم السريع المتمردة جدلاً واسعاً في الأوساط القانونية والسياسية. فقد انقسمت الآراء بين من يرى أن القرار يدخل في إطار حماية الدولة ومؤسساتها في ظل ظروف استثنائية تمر بها البلاد، وبين من يعتبره إجراءً قد يمس ضمانات العدالة وسيادة حكم القانون إذا لم يتم وفق الإجراءات القانونية السليمة.
    وللوقوف على مدى شرعية هذا القرار، لا بد من الرجوع إلى الإطار القانوني الذي ينظم مهنة المحاماة في السودان، وعلى رأسه قانون المحاماة لسنة 1983 وتعديلاته، إضافة إلى المبادئ العامة التي تحكم الإجراءات التأديبية في المهن القانونية.
    إن مهنة المحاماة ليست مجرد وظيفة، بل هي رسالة سامية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بإقامة العدل وحماية الحقوق والحريات. ولذلك حرصت التشريعات القانونية على وضع ضوابط دقيقة لمزاولة هذه المهنة، كما وضعت إجراءات محددة لمساءلة المحامين تأديبياً أو سحب تراخيصهم، حتى لا يتم المساس بحقوقهم المهنية إلا وفق إطار قانوني واضح.
    وبموجب قانون المحاماة السوداني، فإن الجهة المختصة بتنظيم القيد في جدول المحامين ومنح الترخيص لمزاولة المهنة هي لجنة قبول المحامين، وهي أيضاً الجهة التي تملك سلطة شطب الاسم من الجدول إذا فقد المحامي أحد شروط القيد أو ثبت ارتكابه لمخالفة جسيمة تمس شرف المهنة أو كرامتها. كما توجد مجالس تأديبية مختصة تنظر في المخالفات المهنية التي قد يرتكبها المحامي أثناء مزاولته للمهنة.
    ومن حيث المبدأ، فإن سحب الترخيص أو شطب اسم المحامي من جدول المحامين لا يتم بقرار إداري مجرد أو بتقدير سياسي، وإنما عبر إجراءات قانونية محددة. فالأصل في مثل هذه الحالات أن تبدأ الإجراءات بتقديم شكوى أو بلاغ، يعقب ذلك فتح تحقيق رسمي في الوقائع المنسوبة إلى المحامي، ثم إخطار المحامي بالتهم الموجهة إليه، ومنحه الحق الكامل في الدفاع عن نفسه وسماع أقواله. وبعد اكتمال هذه الإجراءات، يصدر القرار التأديبي مسبباً، بحيث يوضح الوقائع والأسباب القانونية التي بني عليها القرار.
    كما أن القانون يكفل للمحامي الذي يصدر بحقه قرار تأديبي الحق في الطعن أمام الجهات القضائية المختصة، وهو ما يمثل ضمانة أساسية لحماية الحقوق ومنع التعسف في استعمال السلطة.

    ومن هنا تظهر أهمية مبدأين أساسيين في تقييم أي قرار بسحب الترخيص:
    الأول هو مبدأ الاختصاص، أي أن القرار يجب أن يصدر من الجهة التي منحها القانون سلطة اتخاذ مثل هذا الإجراء.
    أما الثاني فهو مبدأ ضمانات العدالة، والذي يقتضي أن يتم التحقيق مع المحامي، وأن يمنح فرصة حقيقية للدفاع عن نفسه قبل صدور أي قرار بحقه.
    وفي ضوء هذه المبادئ، فإن تقييم قرار سحب تراخيص المحامين المذكورين يتوقف على عدة اعتبارات جوهرية، من بينها: الجهة التي أصدرت القرار، وما إذا كانت الإجراءات التأديبية قد اتبعت وفق ما يقرره القانون، وكذلك ما إذا كان القرار قد استند إلى أدلة قانونية ثابتة أو إلى أحكام قضائية نهائية تثبت ارتكاب أفعال تشكل جرائم أو مخالفات مهنية جسيمة.
    ولا شك أن الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد، وما تشهده من تمرد مسلح واضطرابات أمنية، قد تدفع السلطات إلى اتخاذ إجراءات صارمة ضد أي شخص يثبت تعاونه مع قوات الدعم السريع المتمردة . غير أن هذه الظروف، مهما بلغت خطورتها، لا ينبغي أن تكون مبرراً لتجاوز القواعد القانونية أو إهدار الضمانات التي كفلها القانون. فسيادة القانون تقتضي أن تتم المحاسبة عبر المؤسسات القانونية المختصة وبالإجراءات التي نص عليها القانون.
    كما أن استقلال مهنة المحاماة يعد ركناً أساسياً من أركان العدالة، إذ إن المحامي يمثل أحد أعمدة النظام القضائي، ويؤدي دوراً أساسياً في حماية الحقوق وضمان المحاكمة العادلة. ولذلك فإن أي إجراء يمس هذه المهنة ينبغي أن يتم في إطار من الشفافية والعدالة واحترام الضمانات القانونية.
    وفي المقابل، فإن المحامي لا يتمتع بحصانة مطلقة من المساءلة. فإذا ثبت تورطه في جرائم تمس أمن الدولة أو تورطه في أعمال تتعارض مع شرف المهنة وواجباتها، فإن القانون يجيز مساءلته تأديبياً وجنائياً، وقد يصل الأمر إلى شطب اسمه نهائياً من جدول المحامين. غير أن ذلك يجب أن يتم وفق الطريق القانوني السليم، وبالإجراءات التي كفلها القانون.
    وخلاصة القول، إن الحكم على شرعية قرار سحب تراخيص المحامين الـ(31) يتوقف على أمرين أساسيين: صدور القرار من الجهة المختصة قانوناً، واتباع الإجراءات التأديبية التي نص عليها قانون المحاماة. فإذا تحقق هذان الشرطان كان القرار متفقاً مع القانون، أما إذا تخلف أحدهما فإن القرار يصبح قابلاً للطعن أمام القضاء المختص.
    فالدولة التي تسعى إلى حماية أمنها واستقرارها مطالبة في الوقت نفسه بحماية القانون وضمان العدالة، لأن قوة الدولة الحقيقية لا تكمن في تجاوز القانون، بل في احترامه وتطبيقه على الجميع دون استثناء.

    الطيب مضوي ريحان
    المحامي والباحث القانوني