قربانٌ على حافةِ القبر “أكذوبةُ عُطيل”-بقلم الطيب صالح

  • بتاريخ : 12 مارس، 2026 - 12:51 ص
  • الزيارات : 63
  • “12”
    قربانٌ على حافةِ القبر “أكذوبةُ عُطيل”

    الأديب والروائي السوداني الطيب صالح
    غدا يصير الحفيد ابا والاب جدا ، وتستمر القافلة.. ثم خرجوا . وقال لي ود الريس وهو يذهب : باكر يا أفندي تتغدى معنا ) وتمدد جدي على سريره ، ثم ضحك ، وحده هذه المرة ، كأنما يؤكد احساسه بالعزلة ، بعد ان ذهب الناس الذين يضحكونه ويضحكهم وبعد فترة قال : « هل تدري لماذا دعاك ود الريس للغداء ؟ » فقلت له أننا اصدقاء وقد دعاني من قبل . فقال جدي : ( انه يريد منك خدمة ) فقلت : ماذا يبغي ؟ »
    ​فقال : يبغي الزواج » فتضاحكت وقلت لجدي : « ما شأني بزواج ود الريس ؟ ، فقال جدي : انت وكيل العروس ) . لُذت بالصمت . فقال جدي وهو يظن انني لم افهم : «ود الريس يريد ان يتزوج ارملة مصطفى سعيد » مرة اخرى لُذت بالصمت ، فقال جدي : « ود الريس ما يزال شابا ، وهو صاحب مال . وعلى اي حال ، المرأة يلزم لها الستر . ثلاثة أعوام مرت على وفاة زوجها . الا تريد الزواج ابدا ؟ ) . قلت له انني لست مسؤولا عنها . ابوها موجود واخوتها ، فلماذا لا يطلبها ود الريس منهم ؟ فقال جدي : « البلد كلها تعرف ان مصطفى سعيد جعلك وصيا على زوجته وولديه »قلت له انني وصي على الولدين ولكن المرأة حرة التصرف واولياؤها موجودون . فقال جدي : ( انها تثق بكلامك . لوحدثتها فقد ترضى ) . احسست بغضب حقيقي ادهشني ، اذ ان هذه الاشياء مألوفة في البلد. وقلت لجدي : « انها رفضت رجالا اصغر منه سنا . انه يكبرها بأربعين عاما ) .

    ولكن جدي اصر على ان ود الريس شاب وانه ميسور الحال وانه متأكد ان اباها لن يمانع ولكن المرأة نفسها قد ترفض ولذلك ارادوا ان يجعلوني انا واسطة خير . حبس الغضب لساني فلُذت بالصمت . وقفزت الى ذهني صورتان فاضحتان في آن واحد . ولشدة عجبي ، اتحدت الصورتان في ذهني ، وتخيلت حُسنه بنت محمود ، ارملة مصطفى سعيد ، هي المرأة نفسها في الحالتين – فخذان بيضاوان مفتوحان في لندن ، وامرأة تئن تحت ود الريس الكهل ، قبيل طلوع الفجر في قرية مغمورة الذِكر عند منحني النيل. ان كان ذلك شرا فهذا ايضا شر ، وإن كان هذا ، مثل الموت والولادة وفيضان النيل وحصاد القمح ، جزءا من نظام الكون ، فقد كان ذلك ايضا كذلك . واتصور حُسنه بنت محمود ، ارملة مصطفى سعيد ، في الثلاثين من العمر ، تبكي تحت ود الريس الذي بلغ السبعين ، ويتحول بكاؤها الى قصص من قصص ود الريس المشهورة عن نسائه الكثيرات ، يتندر بها رجال البلد ، فيزداد الغيظ في صدري ضراوة . ولم استطع البقاء فخرجت ، وسمعت جدي ينادي وراءي فلم التفت . وفي بيتنا سألني ابي عن سبب غضبي فحكيت له القصة . ضحك وقال : « هل هذا شيء يثير الغضب ؟ )
    ​قريبا من الساعة الرابعة بعد الظهر ذهبت الى بيت مصطفى سعيد ، ودخلت من باب الحوش الكبير ، ونظرت برهة الى اليسار الى الغرفة المستطيلة من الطوب الاحمر . ساكنة ، لا كالمقبرة ، ولكن كسفينة القت مراسيها في عرض البحر انما الوقت لم يحن بعد . واجلستني على كرسي في المصطبة امام الديوان ، المكان عينه ، وجاءت لي بكوب من عصير الليمون . وجاء الولدان وسلما علي ، الأكبر محمود اسم ابيها ، والاصغر سعيد اسم ابيه طفلان عادیان ، احدهما في الثامنة وثانيهما في السابعة ، يرتدفان حمارا كل صباح الى المدرسة على بعد ستة أميال . انهما أمانة في عنقي ، ومن الاسباب التي تُحضرني هنا كل عام ان اتفقد احوالهما . سنختنهما هذه المرة ، وسنحضر المغنيين والمداحين ونقيم احتفالا يكون ذكرى مضيئة من ذكريات طفولتهما . قال : « جنبهما مشقة السفر » . انني لن افعل شيئا من هذا القبيل ؛ اذا ارادا ، حين يكبران ، ان يسافرا فليسافرا . كل احد يبدأ من اول الطريق ، والعالم في طفولة لا تنتهي انصرف الولدان وظلت هي واقفة امامي . قامة ممشوقة تقرب من الطول ، ليست بدينة ولكنها ريانة ممتلئة كعود قصب السكر ، لا تضع حناء في قدميها ولا في يديها ، ولكن عطراً خفيفا يفوح منها . شفتاها لعساوان طبيعة واسنانها قوية بيضاء منتظمة . وجهها وسيم ، والعينان السوداوان الواسعتان يختلط فيهما الحزن والحياء . حين سلمت عليها احسست بیدها ناعمة دافئة في يدي . امرأة نبيلة الوقفة ، اجنبية الحسن ، ام انني اتخيل شيئا ليس موجودا حقيقة ؟ امرأة احس حين القاها بالحرج والخطر ، فاهرب منها اسرع ما استطيع . هذا هو القربان الذي يريد ود الريس ان يذبحه على حافة القبر ، ويرشي به الموت فيمهله عاما او عامين . وظلت واقفة رغم الحاحي ، ولم تجلس الا حين قلت لها : « اذا لم تجلسي فساذهب » . بدأ الحديث بطيئا متعسرا ، ومضى كذلك والشمس تنحدر نحو المغيب ، والهواء يبرد قليلا قليلا ، وقليلا قليلا ايضا اخذت عقدة لساني تنحل وعقدة لسانها . وقلت لها شيئا اضحكها وارتجف قلبي من عذوبة ضحكها ، وانتشر دم المغيب فجأة في الافق الغربي كدماء قوم ملايين ماتوا في حرب عارمة نشبت بين الارض والسماء . وانتهت الحرب فجأة بالهزيمة ، ونزل ظلام كامل مستتب احتل الكون باقطابه الاربعة ، واضاع مني الحزن والحياء الذي في عينيها . لم يبق الا الصوت الذي دفأته الالفة والعطر الخفيف كينبوع قد يجف في اي لحظة . وفجأة قلت لها : « هل احببت مصطفى سعيد ؟ )
    ​لم تجب . وظللت برهة انتظر ولكنها لم تجب . ثم ادركت ان الظلام والعطر كادا يخرجانني عن طوري وان ذلك سؤال لا يسأل في ذلك الزمان وذلك المكان . لكن الظلام ما لبث ان ثغر ثغرة نفذ منها صوتها الى اذني اذا صدق ظني ، فان الصوت لم يكن حزينا ، بل كانت فيه مناغاة وتركت الصمت يوسوس لها فلعلها تقول شيئا . نعم ، ذلك هو :
    ​« كان زوجا كريما واباً كريما . طول حياته لم يقصر معنا ) فقلت لها وانا اميل في الظلام تجاهها : « هل كنت تعرفين من این هو؟ »
    قالت : « من الخرطوم »
    قلت : « وماذا يعمل في الخرطوم ؟ »
    قالت : « في التجارة . »
    قلت : « ولماذا جاء إلى هنا ؟ ) »
    قالت : « الله اعلم »
    لاحقتها بالسؤال : « لماذا ؟ »
    قالت : « كان يقضي وقتا طويلا بالليل في تلك الغرفة » وازددت ملاحقة : « ماذا في تلك الغرفة ؟ ) قالت : « لا ادري . اني لم ادخلها قط . المفتاح عندك . لماذا لا تتحقق بنفسك ؟ ) .
    ​وكدت ايأس . ثم هبت نسمة نشطة في اتجاهي حاملة شحنة من العطر ، فوق ما كنت أطمع فيه . واستنشقت العطر واحسست بيأسي يزداد حدة . وفجأة حدثت فجوة كبيرة في الظلام ، نفذ منها صوت حزين هذه المرة ، حزنا اعمق من غور النهر . قالت : « اظنه كان يخفي شيئا على الأرض ؟ » نعم ، هب اننا قمنا انا وهي الآن ، في هذه اللحظة ، وقدنا المصباح ، ودخلنا ، هل نجده معلقا من رقبته في السقف ، ام نجده جالسا القرفصاء سألتها مرة اخرى : « لماذا تظنين انه كان يخفي شيئا ؟ ) صوتها الآن ليس حزينا وليست فيه مناغاة ، ولكنه مشرشر الاطراف كورقة الذرة : « احيانا بالليل في النوم ، كان يقول كلاما … بالرطانة » ولاحقتها بالسؤال : « اي رطانة ؟ » فقالت : ( لا ادري . مثل الكلام الافرنجي ) . وظللت مائلا وجهتها في الظلام ، مترقبا ، منتظرا . « كان يردد في نومه كلمات … مثل جينا ، جيني … لا ادري »
    ​في هذا المكان نفسه ، في وقت مثل هذا ، في ظلام مثل هذا ، كان صوته يطفو كاحوات ميتة طافية على سطح البحر . « ظللت اطاردها ثلاثة اعوام . كل يوم يشتد توتر وتر القوس . قوافلي ظمأى والسراب يتوهج قدامي في صحراء الشوق . في تلك الليلة حين همست جين في اذني : « تعال معي . تعال معي » كانت حياتي قد اكتملت ولم يكن يوجد سبب للبقاء … » وتناهت الى اذني صرخة طفل من مكان ما في الحي ، وقالت حُسنه : « كأنه كان يحس بدنو اجله . قبل اليوم ، يوم … قبل موته باسبوع رتب كل شؤونه . كانت له اطراف جمعها ، وديون دفعها . قبل موته بيوم دعاني وحدثني بما عنده . اوصاني كثيرا على الولدين . اعطاني الرسالة المختومة بالشمع . قال لي : اعطها له اذا حدث شيء . وقال لي اذا حدث شيء فانت تكون وصيا على الأولاد . قال لي : استشيريه في كل ما تفعلين. بكيت وقلت له : ان شاء الله ما في عوج . فقال : فقط من باب الاحتياط والدنيا غير معروفة . في ذلك اليوم توسلت اليه الا ينزل الى الحقل والدنيا فيضان وغرق . كنت خائفة . لكنه قال لا داعي للخوف وانه يجيد السباحة. كنت متوجسة طول اليوم وزاد خوفي حين تأخر عن ميعاده . وانتظرنا ، ثم كان م كان» واحسست بها تبكي في صمت ، ثم ارتفع بكاؤها ، وتحول الى شهيق حاد ، ارتعش له الظلام القائم بيني وبينها . ضاع العطر والصمت ، ولم يعد في الكون الا نحيب امرأة ثكلت زوجا لا تعرفه ، رجلا افرد اشرعته وضرب في عرض البحر وراء سراب اجنبي . وود الريس الشيخ في داره يحلم بليالي الغنج تحت فركة القرمصيص . وانا ماذا افعل الآن وسط هذه الفوضي ؟ هل اقوم اليها واضمها الى صدري واجفف دموعها بمنديلي واعيد الطمأنينة الى قلبها بكلماتي ؟ وقمت نصف قومة مستندا الى ذراعي ، ولكنني احسست بالخطر ، وتذكرت شيئا ، فلبثت واقفا هكذا زمنا في حالة بين الاقدام والاحجام . وبغتة هبط علي عناء ثقيل تهالكت تحت وطأته على المقعد . الظلام كثيف وعميق واساسي وليست حالة ينعدم فيها الضوء الظلام الآن ثابت كأن الضوء لم يوجد أصلا ، ونجوم السماء مجرد فتوق في ثوب قديم مهلهل . العطر اضغاث احلام ، صوت لا يسمع مثل اصوات ارجل النمل في تل الرمل . ونبع من جوف الظلام صوت لم يكن صوتها ، صوت ليس غاضبا ولا حزينا ولا خائفا ، صوت مجرد ، يقول : « كان المحامون يتصارعون على جثتي . لم اكن انا المهم بل كانت القضية هي المهمة . بروفسور ماكسول فستركين من المؤسسين لحركة التسلح الخلقي في اكسفورد ، وماسوني ، وعضو في اللجنة العليا لمؤتمر الجمعيات التبشيرية البروتستنتية في افريقيا . لم يكن يخفي كراهيته لي . ايام تتلمذي عليه في اكسفورد كان يقول لي في تبرم واضح : « انت يا مستر سعيد خير مثال على ان مهمتنا الحضارية في افريقيا عديمة الجدوى ، فانت بعد كل المجهودات التي بذلناها في تثقيفك كأنك تخرج من الغابة لاول مرة ) ومع ذلك فها هو ذا يستعمل كل مهارته ليخلصني من حبل المشنقة . وسير ارثر هغنز ، تزوج وطلق مرتين ، مغامراته الغرامية معروفة ، مشهور بصلاته مع اليسار والأوساط البوهيمية . قضيت عيد الميلاد سنة ١٩٢٥ في بيته في سافرون ولدن . كان يقول لي : « انت وغد ولكنني لا أكره الأوغاد ، فانا ايضا وغد » . لكنه في هذه المحكمة سيستعمل كل مهارته ليضع حبل المشنقة حول عنقي . والمحلفون ايضا ، اشتات من الناس ، منهم العامل والطبيب والمزارع والمعلم والتاجر والحانوتي ، لا تجمع صلة بيني وبينهم ، لو انني طلبت استئجار غرفة في بيت احدهم فاغلب الظن انه سيرفض ، واذا جاءت ابنة أحدهم تقول له انني ساتزوج هذا الرجل الافريقي ، فيحس حتما بان العالم ينهار تحت رجليه . ولكن كل واحد منهم في هذه المحكمة سيسمو على نفسه لاول مرة في حياته . وانا احس تجاههم بنوع من التفوق ، فالاحتفال مقام اصلا بسببي ، انا فوق كل شيء مستعمر ، انني الدخيل الذي يجب ان يبت في امره . حين جيء لكتشنر بمحمود ود احمد وهو يرسف في الاغلال بعد أن هزمه في موقعة اتبرا ، قال له : ( لماذا جئت بلدي تخرب وتنهب ؟ ) الدخيل هو الذي قال ذلك لصاحب الارض ، وصاحب الارض طاطاً رأسه ولم يقل شيئا . فليكن ايضا ذلك شأني معهم . انني اسمع في هذه المحكمة صليل سيوف الرومان في قرطاجة ، وقعقعة سنابك الخيل وهي تطأ ارض القدس . البواخر مخرت عرض النيل اول مرة تحمل المدافع لا الخبز ، وسكك الحديد انشئت اصلا لنقل الجنود . وقد انشأوا المدارس ليعلمونا كيف نقول نعم » بلغتهم . انهم جلبوا الينا جرثومة العنف الأوربي الأكبر الذي لم يشهد العالم مثيله من قبل في السوم وفي فردان ، جرثومة مرض فتاك اصابهم منذ أكثر من الف عام . نعم يا سادتي ، انني جئتكم غازيا في عقر داركم . قطرة من السم الذي حقنتم به شرايين التاريخ . انا لست عطيلا . عطيل كان اكذوبة » .