الطيب شيقوق / المحامي و المستشار القانوني
حين يُطرح في الولايات المتحدة موضوع تصنيف جماعات مرتبطة بالإخوان المسلمين كتنظيمات إرهابية، فإن النقاش — بخلاف ما يُتصور في المجال السياسي والإعلامي — لا يبدأ من المواقف الأيديولوجية، بل من نصوص قانونية دقيقة تحكم سلطة الدولة الأمريكية في إدراج الأفراد والتنظيمات ضمن قوائم الإرهاب. ولهذا فإن فهم المسألة في السياق السوداني يتطلب أولًا قراءة الإطار القانوني الذي تتحرك داخله واشنطن، قبل النظر إلى نتائجه السياسية.
القانون الأمريكي لا يسمح بتصنيف أي جماعة بناءً على توجهها الفكري أو خطابها السياسي، وإنما وفق منظومة تشريعية محددة أبرزها قانون الهجرة والجنسية الأمريكي، الذي يمنح وزير الخارجية سلطة إدراج “منظمة إرهابية أجنبية” إذا توفرت ثلاثة شروط متلازمة: أن تكون الجهة تنظيمًا أجنبيًا محدد البنية، وأن يثبت تورطها في نشاط إرهابي أو امتلاكها القدرة والنية لممارسته، وأن يشكل نشاطها تهديدًا للأمن القومي الأمريكي أو لمصالحه الخارجية. هذه الشروط ليست شكلية؛ إذ تخضع قرارات التصنيف لإمكانية الطعن أمام القضاء الفيدرالي، مما يفرض على الإدارة الأمريكية تقديم أدلة قابلة للدفاع القضائي لا مجرد تقديرات سياسية.
ومن هنا تظهر الإشكالية القانونية الأساسية في حالة الإخوان المسلمين. فالحركة، تاريخيًا، ليست تنظيمًا عالميًا موحد القيادة، بل شبكة واسعة من التنظيمات الوطنية المستقلة نسبيًا، بعضها أحزاب سياسية قانونية تشارك في الانتخابات، وبعضها حركات دعوية أو اجتماعية، بينما ارتبطت فروع أخرى بصراعات مسلحة. هذا التباين يجعل من الصعب قانونًا اعتبار الجماعة كيانًا واحدًا وفق التعريف الصارم الذي يتطلبه قانون التصنيف الأمريكي، لأن القضاء الأمريكي يميل إلى رفض التوصيفات الفضفاضة التي قد تمس كيانات لا علاقة لها بالعنف.
ولهذا السبب اتجهت السياسة الأمريكية خلال العقدين الأخيرين إلى ما يُعرف بالعقوبات الموجهة أو “الذكية”، حيث يتم استهداف أفراد أو مؤسسات مالية أو شبكات محددة بدل تصنيف تيار كامل. ويُدار هذا المسار غالبًا عبر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية بوزارة الخزانة الأمريكية، الذي يملك سلطة إدراج أشخاص وكيانات في قوائم العقوبات المالية إذا ثبت دعمهم المادي لأنشطة مصنفة إرهابية. ويكفي في هذا السياق معيار “الدعم المادي” الذي يشمل التمويل أو التسهيلات أو الخدمات، حتى دون مشاركة مباشرة في أعمال عنف.
في الحالة السودانية، تتعقد المسألة أكثر بسبب الطبيعة الخاصة لتجربة الحركة الإسلامية التي اندمجت لسنوات طويلة في مؤسسات الدولة خلال فترة حكم الإنقاذ. هذا الاندماج التاريخي يخلق إشكالًا قانونيًا إضافيًا: فاستهداف كيانات مرتبطة بتنظيم سياسي سابق قد يمتد أثره عمليًا إلى مؤسسات اقتصادية أو شبكات تجارية واسعة لا تمارس نشاطًا سياسيًا مباشرًا. وهنا يصبح التحدي القانوني هو رسم خط فاصل بين المسؤولية الفردية والمسؤولية الجماعية، وهو خط تحرص المحاكم الأمريكية عادة على عدم تجاوزه.
الأثر القانوني للتصنيف لا يقتصر على تجميد الأصول داخل الولايات المتحدة، بل يمتد عبر النظام المالي العالمي بحكم مركزية الدولار. فالقواعد الأمريكية الخاصة بالامتثال المالي تُلزم البنوك الدولية بتجنب التعامل مع الجهات المدرجة، وإلا تعرضت هي نفسها لعقوبات ثانوية. ونتيجة لذلك تميل المؤسسات المالية إلى ما يسمى “الامتثال المفرط”، أي توسيع نطاق الحذر ليشمل جهات غير مدرجة رسميًا لكنها تُعد عالية المخاطر. وهكذا يتحول القرار القانوني المحدود إلى أثر اقتصادي واسع يتجاوز نطاقه الأصلي.
غير أن القانون الأمريكي ذاته يضع قيودًا على هذا التوسع. فالإدراج في قوائم الإرهاب أو العقوبات يخضع لمراجعة دورية، ويجوز الطعن فيه بطلب رفع الاسم إذا انتفت أسبابه. كما أن الإدارة الأمريكية مطالبة بإثبات استمرار المبررات القانونية للتصنيف، وإلا أصبح القرار عرضة للإلغاء القضائي. وهذا ما يفسر ميل واشنطن إلى التحرك التدريجي والحذر بدل اللجوء إلى تصنيفات شاملة يصعب الدفاع عنها قانونيًا.
ومن هنا يغدو التحدي الحقيقي ليس في استباق القرارات الخارجية أو مجرّد التفاعل معها، بل في بناء منظومة قانونية ومؤسسية واضحة تقوم على الفصل الحاسم بين الكيانات المشروعة وتلك التي تُوصَف أو تُدرج ضمن قوائم الإرهاب. فكلما بادرت الدولة إلى استبعاد هذه الكيانات من المجالين الاقتصادي والمالي، وأحكمت قواعد الامتثال والشفافية والرقابة، أمكن حصر آثار أي إجراءات دولية في نطاقها المحدد قانونًا، ومنع امتدادها لتصيب الاقتصاد الوطني أو تعرقل مصالح المواطنين والمؤسسات التي لا صلة لها بتلك التصنيفات.









إرسال تعليق