الذاكرة السودانية.. من ينصف الذين صنعوا تاريخنا؟

  • بتاريخ : 27 أكتوبر، 2026 - 4:55 م
  • الزيارات : 5
  • بقلم: م.م. الإمام عبداللطيف الإمام – المدينة المنورة

    بعد الاطلاع على المقال الرصين لأخينا المستشار *الطيب شيقوق*، بعنوان *«من يصنع الرموز في مجتمعنا؟»*، وما أثاره من تساؤلات مهمة حول *معايير التقدير ومكانة أصحاب العطاء*، وجدتني أتأمل جانبًا آخر لا يقل أهمية، وهو *مصير التجارب الإنسانية والوطنية التي أسهمت في بناء السودان*، ولم تجد حظها الكافي من التوثيق والحفظ.

    فإذا كان من حق أصحاب العطاء أن ينالوا ما يستحقونه من تقدير، فإن من حق الأجيال القادمة أيضًا أن تتعرف إلى تجاربهم، وتستفيد من خبراتهم، وتجد *سجلًا موثوقًا يحفظ إسهاماتهم من النسيان*.

    *تاريخ لا ينبغي أن نتركه للنسيان*

    لا تُبنى الأمم بما تحققه في حاضرها وحده، وإنما بما تحفظه من تجارب ماضيها. فالتاريخ ليس مجرد أحداث وقعت وانتهت، بل هو *حصيلة جهود بشرية وتجارب نجاح وإخفاق* أسهمت في تشكيل المجتمع والدولة.

    وفي السودان، تزخر الذاكرة الوطنية بتجارب *تستحق التوثيق في قيام المدن والقرى والتعليم والصحة والزراعة والهندسة والصناعة والإدارة والثقافة والرياضة*. وهناك رجال ونساء تركوا بصمات واضحة، لكن كثيرًا من تجاربهم لم يُدوَّن.

    *حين يرحل أصحاب التجارب*

    من المؤسف أن نتذكر كثيرًا من الشخصيات بعد رحيلها، ثم نكتشف أننا لم نوثق من سيرتها إلا القليل. كم من *معلم أفنى عمره في تعليم الأجيال، وطبيب خدم مجتمعه في ظروف صعبة، ومهندس شارك في إنشاء مشروع أو مرفق عام*، ثم مضى دون أن تُحفظ تجربته؟

    والتوثيق *ليس تكريمًا للأشخاص بقدر ما هو حفظ للحقائق والخبرات*.

    *العملة السودانية.. ذاكرة وطنية تحفظها المؤسسات*

    ومن الأمثلة الواضحة على أهمية حفظ الذاكرة تجربة *بنك السودان المركزي* في توثيق تاريخ العملة السودانية. فقد أنشأ البنك *متحفًا للعملة* يضم نماذج من العملات الوطنية والتذكارية.

    ومن منا لا يتذكر أسماء الفئات النقدية التي ارتبطت بحياة السودانيين اليومية، مثل *المليم والتعريفة والقرش والفريني والشلن والريال، وصولًا إلى الجنيه*، فضلًا عن *«الطرّادة»*؟

    *مسؤولية مشتركة تتجاوز الأفراد*

    إن *توثيق التاريخ ليس مسؤولية المؤرخين وحدهم*. ويمكن البدء بخطوات عملية مثل *إجراء مقابلات مسجلة مع أصحاب التجارب، وجمع الصور والمراسلات، وإنشاء أرشيف رقمي آمن*.

    *التوثيق إنصاف لا تمجيد*

    من الضروري التمييز بين *التوثيق والتكريم*؛ فالتكريم يعبر عن التقدير، أما التوثيق فيسعى إلى *تسجيل التجربة كما حدثت، بما فيها من إنجازات وتحديات وأخطاء*.

    *من الذاكرة إلى مشروع وطني*

    إن السودان، في ظل الحرب وما صاحبها من تدمير ونزوح، أحوج ما يكون إلى *مبادرة جادة لحماية ذاكرته الوطنية*. لذلك، أقترح أن تتبنى الجهات المعنية *مشروعًا وطنيًا لتوثيق التاريخ الاجتماعي والمهني والمؤسسي للسودان*.

    *ولنا في تجارب الدول عبرة؛ فكثير من الدول خصصت أرشيفات وطنية ومراكز لحفظ التاريخ الشفهي، وسجلت شهادات الرواد في التعليم والصحة والإدارة، فحولت ذاكرة الأفراد إلى ذاكرة مؤسسية محفوظة.*

    *ماذا نريد أن نورث للأجيال القادمة؟*

    إن حفظ الذاكرة *اعتراف بجهود الذين سبقونا، وحماية لحق المجتمع في معرفة تاريخه*. والسؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس فقط: *من يستحق التكريم؟* بل أيضًا: *ماذا فعلنا لحفظ سيرته وتجربته؟*

    إن *إنصاف الذين صنعوا تاريخنا لا يكتمل بالتقدير وحده، بل يبدأ أيضًا بحفظ قصصهم ووثائقهم وتجاربهم، حتى لا يصبح النسيان نهاية ما قدموه لوطنهم.*