يوميات لاجيء سوداني في يوغندا

الواقع المعيشي في العاصمة الأوغندية كمبالا، الحقيقة التي لا يخبرك بها أحد.
الحياة في كمبالا ليست نزهة، وليست كما تصورها منشورات الفيسبوك ومجموعات الواتساب. ليست رخيصة، ولا سهلة، ولا تجود على اللاجئ بفرصة عمل بمجرد وصوله. هذه هي الحقيقة المجردة التي يدفع ثمن جهلها مئات السودانيين كل شهر.
أوغندا نفسها ترزح تحت وطأة بطالة حادة بين أبنائها، فأكثر من خمسة وسبعين في المئة من سكانها دون سن الثلاثين، وكلهم يتزاحمون على فرص محدودة، فكيف بمن يأتي لاجئا بلا أوراق عمل وبلا تصريح إقامة استثمارية. القانون الأوغندي لا يسمح للأجنبي بالعمل في المؤسسات الرسمية إلا بتصريح عمل تتراوح كلفته بين ستمئة إلى ألفين وخمسمئة دولار في السنة حسب الفئة، وهو مبلغ تعجيزي على اللاجئ، وبدونه يبقى أمامه الاقتصاد الهامشي وحده.
وما يسمى بأي شغل في كمبالا هو في حقيقته استنزاف كامل للجسد مقابل الفتات. مساعد في مطعم، أو عامل في صالون تجميل، أو بائع في محل ملابس، أو عامل تحميل في ورشة، كلها وظائف لا يتجاوز راتبها الشهري مئة وخمسين ألفا إلى خمسمئة ألف شلن أوغندي، أي ما يعادل خمسة وثلاثين إلى مئة وعشرين دولارا في أحسن الأحوال. وهذا المبلغ لا يكفي إيجار غرفة واحدة، فكيف سيكفي أكلا وشربا ومواصلات وعلاجا، فضلا عن إرسال مصروف لأهل في السودان أو في معسكرات النزوح.
ولا يوجد هنا في القطاع غير الرسمي ما يسمى بقانون العمل. ساعات العمل تمتد من العاشرة صباحا حتى العاشرة مساء، عشر إلى اثنتي عشرة ساعة وقوفا على القدمين، بلا إجازة أسبوعية منتظمة، وبلا تأمين صحي، وبلا بدل مواصلات، ولا نهاية خدمة. وإذا مرضت يوما خصم من راتبك، وإن غبت يومين استبدلت بغيرك.
نعم هناك فرص جيدة، لكنها نادرة ندرة الماء في الصحراء، ومشروطة بثلاثة شروط لا تتوفر إلا للقليل، لغة إنجليزية ممتازة تحدثا وكتابة، وشهادات جامعية موثقة ومعادلة، وشبكة علاقات قوية. وهي تتركز في قطاعات ضيقة للغاية، كالتدريس في المدارس الدولية، والترجمة الفورية للمنظمات، والعمل في المنظمات الإنسانية الإقليمية، وقطاع السياحة والسفاري. أما الخيار الذي أثبت نجاحه النسبي فهو العمل الحر. فمعظم الأجانب الذين استقروا هنا لم ينجحوا كموظفين، بل كأصحاب مشاريع صغيرة، مطعم سوداني، أو صالون حلاقة، أو محل عطور، أو بقالة، أو خدمات شحن. وهذا الطريق نفسه يحتاج رأس مال لا يقل عن ألفين إلى خمسة آلاف دولار كبداية، وصبر ستة أشهر على الخسارة.
ويبقى السكن هو الفخ الأكبر الذي يلتهم كل شيء. فالغرفة الواحدة المستقلة في أحياء اللاجئين المعروفة مثل كابالاغالا ونسامبيا وكانسغا وكيساسي، وهي غرفة بباب خارجي وحمام مشترك أو خاص، فارغة أو بها سرير وطاولة وكراسي.
اللاجيء /محمد أحمد السوداني







إرسال تعليق