السودان في صراع النفوذ الدولي.. من أطماع الموارد إلى معركة السيادة

  • بتاريخ : 20 أكتوبر، 2026 - 5:01 م
  • الزيارات : 6
  • إعلان

    بقلم: م.م. الإمام عبداللطيف الإمام

    منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، لم يعد ممكناً فهم ما يجري في السودان كصراع داخلي على السلطة. فقد تداخلت الحسابات المحلية مع مصالح إقليمية ودولية، وأصبحت الحرب جزءاً من معادلة أوسع للنفوذ والثروات وأمن البحر الأحمر ومستقبل القرن الإفريقي.

    خطورة التحول ليست في اهتمام الدول بالسودان، فالمصالح المتبادلة طبيعية، بل في احتمال تحول الحرب إلى أداة لإعادة تشكيل موازين القوة على حساب وحدة الدولة واستقلال قرارها. فالسودان ليس بلداً غنياً بالذهب فحسب، بل دولة مفصلية تربط العالم العربي بعمقه الإفريقي، وتطل على البحر الأحمر، وتتصل بحوض النيل والساحل. والسؤال الحاكم هو: هل تتعامل القوى الخارجية معه كدولة ذات سيادة وشريك، أم كساحة مفتوحة لأهدافها؟

    *القوى الإقليمية.. مصالح متقاطعة*

    تتعامل *مصر* مع السودان كبعد مباشر لأمنها القومي، فالجوار الطويل والروابط التاريخية وملف مياه النيل تجعل استقرار السودان ووحدة أراضيه قضية وجودية للقاهرة، وتفككه يترك تداعيات مباشرة على الإقليم.

    أما *السعودية*، فتنظر من بوابة أمن البحر الأحمر والملاحة والتجارة، وبرز دورها في منبر جدة السعودي الأمريكي لوقف القتال وتخفيف المعاناة، لكن نجاح الوساطة يبقى مرهوناً بتحويل التعهدات إلى التزامات قابلة للتنفيذ.

    ويثير الدور *الإماراتي* جدلاً واسعاً، بسبب اتهامات بدعم قوات الدعم السريع، وتناولت تقارير وتحقيقات دولية مسارات مزعومة لنقل السلاح عبر دول الجوار، فيما نفت أبوظبي تلك الاتهامات. والتقييم الموضوعي يقتضي الرجوع للأدلة والتمييز بين الوقائع الموثقة والاتهامات المختلف عليها. لكن السؤال الاستراتيجي يتجاوز ذلك: كيف نحمي ثروات السودان وموانئه من التحول لأدوات نفوذ؟ المطلوب ليس افتراض أن كل استثمار يستهدف السيادة، بل إخضاع عقود الذهب والموانئ والأراضي لمعايير الشفافية والمصلحة الوطنية والرقابة المؤسسية.

    وتحضر *تركيا وإيران* بمصالح مختلفة، فقد أشارت تقارير إلى حصول الجيش السوداني على مسيرات إيرانية، وبرزت تركيا بعلاقات تعاون اقتصادية وعسكرية. وهذا يعكس تعدد مصادر الدعم، لكنه لا يكفي لإثبات استراتيجية مشتركة للسيطرة على البحر الأحمر. ومع ذلك، فإن اتساع المنافسة حول البحر الأحمر يفرض على السودان سياسة خارجية تقوم على التوازن والندية، لا الارتهان لمحور.

    *القوى الكبرى.. بين المصالح وحسابات النفوذ*

    تمتلك *الولايات المتحدة* أدوات مؤثرة تشمل العقوبات والضغوط الدبلوماسية وتأثيرها على الحلفاء والمؤسسات المالية. وتقييم دورها يجب أن يستند للنتائج على الأرض لا للبيانات. والسؤال ليس هل تستطيع التأثير، بل مدى استعدادها لاستخدام أدواتها لوقف تدفق السلاح ومحاسبة ممولي الانتهاكات. فالفجوة بين الخطاب والنتائج تظل أبرز إشكالات الجهود الدولية، ولا تسوية مستدامة ما دامت مصادر السلاح متجددة.

    أما *الاتحاد الأوروبي*، فركز على المساعدات الإنسانية وإدانة الانتهاكات وعقوبات محددة، لكن حجم الكارثة يفرض الانتقال من الاستجابة الإنسانية إلى سياسة متكاملة تربط الإغاثة بحماية المدنيين والضغط الدبلوماسي بوقف التسليح.

    وتتعامل *روسيا* بمنطق براغماتي يجمع بين الذهب وإمكانية إقامة منشأة بحرية على البحر الأحمر، وشهدت علاقاتها مع الأطراف السودانية تحولات فرضتها الحرب، لكن مصالحها لا تختزل في القاعدة وحدها.

    أما *الصين*، فلها مصالح اقتصادية واستراتيجية وتولي أهمية للاستقرار الذي يحمي الاستثمارات، وتميل لتجنب التدخل العسكري المباشر مع الاحتفاظ بأدواتها الدبلوماسية والاقتصادية.

    وفيما يتعلق *بإسرائيل*، فموقع السودان على البحر الأحمر يجعله حاضراً في حسابات الأمن الإقليمي والملاحة والنفوذ الإيراني، ومسار التطبيع المتعثر يضيف بعداً آخر. ومن الضروري التمييز بين تقاطع المصالح الذي يمكن تحليله جغرافياً، وبين وجود تنسيق مباشر يحتاج لأدلة. ويلاحظ تطابق لافت بين أجندة تأمين البحر الأحمر وبعض الأدوار الإقليمية النشطة، مما يفتح الباب لتحليلات ترى فيه تكاملاً وظيفياً للمصالح، وتكمن الخطورة في أن يتحول السودان لساحة تتقاطع فيها الحسابات دون قدرة مؤسسية لحماية أولوياته.

    *دول الجوار والمقاتلون الأجانب*

    لا تقتصر التداعيات على القوى الكبرى، بل تمتد لدول الجوار: *تشاد وليبيا وجنوب السودان وإفريقيا الوسطى وإثيوبيا والنيجر*، إلى جانب *كولومبيا*، في ظل تقارير عن إمدادات عسكرية وشبكات لوجستية عابرة للحدود ووجود مقاتلين أجانب بينهم كولومبيون في صفوف الدعم السريع. وهذا يثير تساؤلات حول مصادر السلاح والتمويل والتجنيد، مع التمييز بين جنسيات المقاتلين ومسؤولية حكوماتهم.

    فالحدود الطويلة وضعف الرقابة وانتشار التهريب تجعل احتواء الحرب صعباً. ومع الوقت، لا تقتصر الخسائر على السلاح، بل ينشأ اقتصاد حرب تتداخل فيه تجارة الموارد بالتهريب والتمويل غير المشروع، وعندما تصبح الحرب مصدر ربح، تتراجع حوافز السلام. لذا أي تسوية لا تعالج طرق الإمداد والرقابة على الحدود ستظل معرضة للانتكاس.

    *الجذور الداخلية.. الثغرة التي نفذ منها الخارج*

    مع أهمية الخارج، لا يجوز اختزال الحرب في مؤامرة خارجية. جذورها في صراع على السلطة ووجود قوتين عسكريتين داخل دولة واحدة واختلال العلاقة بين المؤسسات العسكرية والمدنية وفشل متراكم في بناء نظام مستقر على المواطنة وسيادة القانون. هذه الاختلالات حولت التنافس لحرب مفتوحة وأتاحت للخارج فرص التدخل.

    التدخل الخارجي لا ينشئ كل أزمة من العدم، لكنه يستغل الانقسامات ويحولها لحرب استنزاف. ومسؤولية الخارج متى ثبتت لا تلغي مسؤولية القوى السودانية عن القرارات التي قادت للانهيار، والاعتراف بالأخطاء الداخلية لا يبرر التدخلات التي تهدد وحدة البلاد.

    والشعب هو من يدفع الثمن: قتلى ونزوح وتدمير للمنازل والمرافق وتعطل للإنتاج وتآكل لمؤسسات الدولة، بينما تتزايد أهمية السودان في حسابات الآخرين بسبب موارده وموقعه.

    *كيف يستعيد السودان قراره؟*

    استعادة السيادة مشروع وطني يبدأ من الداخل عبر أربعة مسارات:

    *أولاً: إنهاء الحرب وبناء الدولة:* وقف القتال بمسار سياسي جاد يضمن حماية المدنيين ووحدة البلاد، وتأكيداً على أن القوات المسلحة السودانية هي المؤسسة الوطنية الشرعية الحامية للبلد والخاضعة لسلطة الدولة والقانون، مع إنهاء ازدواجية السلاح وحصر كل السلاح بيدها كممثل وحيد وشرعي للدولة.

    *ثانياً: سياسة خارجية متوازنة:* إقامة العلاقات على المصالح المتبادلة والاحترام المتكافئ، والتعامل مع دول العالم بمعيار المصلحة الوطنية والندية ولا منطق المحاور. فالاستقلال لا يعني العزلة، والتعاون لا يعني التبعية.

    *ثالثاً: شفافية الثروات:* إدارة الموارد الزراعية والمعدنية والمائية والموقع البحري برؤية واضحة تخضع فيها عقود الذهب والموانئ والأراضي للشفافية والرقابة القانونية وضمان حقوق المجتمعات المحلية.

    *رابعاً: موقف دولي عملي:* تنسيق دولي لمراقبة مسارات التسليح وتنفيذ حظر السلاح ومحاسبة من يثبت تورطه وضمان وصول المساعدات، وتسوية تحمي المدنيين وترفض الإفلات من العقاب وتفتح طريق عملية سياسية سودانية واسعة.

    *السودان ليس غنيمة*

    الصراع على السودان ليس على ذهب أو ميناء فقط، بل على مستقبل الدولة وموقعها. وأخطر ما نفعله أن ننشغل بتعداد أطماع الآخرين ونغفل سؤال أنفسنا: لماذا لم نحول مواردنا وموقعنا لقوة تحمي مصالحنا؟

    فالثروات لا تصنع دولة قوية وحدها، والموقع لا يمنح السيادة تلقائياً. قوة الدولة في وحدة مؤسساتها وكفاءة إدارتها وعدالة نظامها وتماسك مجتمعها.

    *السودان ليس غنيمة في سوق النفوذ الدولي، ولا ورقة مساومة في صراعات الآخرين. إنه وطن يمتلك ما يؤهله ليكون دولة قوية، ولن تُصان سيادته بمطالبة العالم باحترامها، بل ببناء دولة قادرة على حمايتها بإرادة أبنائها.*