البرهان أمام اختبار الهدنة الأخير…قراءة بين سطور إجتماعات جنيف

  • بتاريخ : 20 أكتوبر، 2026 - 4:49 م
  • الزيارات : 30
  • إعلان

    بقلم / الهنا حميدان

    “كاتبة، وباحثة في الشأن السياسي”

    تتجه الأنظار اليوم إلى مدينة جنيف السويسرية، حيث ينعقد في قصر الأمم الاجتماع التنسيقي السادس لمبادرات السلام في السودان، في وقت تتصاعد فيه الحرب ميدانياً من الخرطوم إلى نيالا إلى أبيي، ويصل مجلس الأمن والدفاع في بورتسودان إلى طريق مسدود بين الرهان على الحسم العسكري والضغوط الدولية المتصاعدة لفرض هدنة إنسانية.
    *أولاً: جنيف – حشد دولي غير مسبوق*
    انطلقت اليوم الثلاثاء 20 أكتوبر الجلسة التمهيدية المخصصة للكارثة الإنسانية، على أن يعقد الأربعاء 21 أكتوبر الاجتماع الرئيسي رفيع المستوى.
    المشاركون هم من يصنعون المشهد الآن:
    – *الرباعية:* الولايات المتحدة، الإمارات، السعودية، مصر. وهي المجموعة التي تمتلك المال والنفوذ على طرفي الحرب.
    – *الخماسية:* الأمم المتحدة، الاتحاد الأفريقي، الاتحاد الأوروبي، الإيغاد، جامعة الدول العربية. وهي التي تملك الشرعية القانونية.
    – معهم: ألمانيا والنرويج وتركيا وقطر ودول جوار السودان والدول دائمة العضوية في مجلس الأمن.
    اللافت أن الاجتماع يعقد بغياب طرفي الحرب – لا الجيش ولا الدعم السريع مدعوون. فقد أوضحت الأمم المتحدة أن اللقاء مخصص لتنسيق جهود الوسطاء وتوحيد المواقف، على أن تبلغ الجهات السودانية بنتائجه لاحقاً. الهدف المعلن هو منع تحول المبادرات المتعددة إلى مسارات متنافسة تمنح القيادات العسكرية فرصاً إضافية للمناورة وإطالة أمد الحرب، كما حدث خلال الأعوام الثلاثة الماضية.
    وتكمن أهمية جنيف، حسب تقرير “المدى نيوز” و”سكاي نيوز”، ليس في صدور بيان ختامي جديد، وإنما في قدرة الوسطاء على الانتقال من التوافق الدبلوماسي إلى ممارسة ضغوط فعلية وآليات مراقبة مستقلة وإجراءات محاسبة لمن يرفض الالتزام أو يعرقل وصول المساعدات.
    ويأتي الاجتماع امتداداً لمسار نيويورك في 23 سبتمبر الماضي، عندما عقدت الرباعية والخماسية أول اجتماع مشترك على هامش الجمعية العامة، واتفقوا على أن الحل العسكري مستحيل وضرورة إطلاق عملية سياسية سودانية جامعة ووقف التدخلات العسكرية الخارجية.
    *ثانياً: بورتسودان – البرهان يرفض والتكلفة ترتفع*
    في المقابل، عقد مجلس الأمن والدفاع برئاسة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة القائد العام، اجتماعه الدوري أمس في الخرطوم واستعرض الأوضاع الأمنية والاقتصادية.
    ويأتي الاجتماع بعد إعلان البرهان في 6 أكتوبر رفضه التفاوض مع قوات الدعم السريع وتعهد بمواصلة القتال لاستعادة الأراضي، وهو موقف يعكس استمرار الرهان على الحسم العسكري رغم اتساع الكارثة الإنسانية التي وصفتها الأمم المتحدة بأنها الأسوأ في العالم، مع 13 مليون نازح و73% من السكان تحت خط الفقر.
    وتضع مواقف البرهان مصداقية السلطة في الخرطوم أمام امتحان مباشر. فالتحركات الدبلوماسية في جنيف تهدف إلى فرض التزامات واضحة بشأن الهدنة الإنسانية، وإذا استمر الرفض، فإن الخيارات المطروحة هي توسيع حظر السلاح ليشمل كل السودان وعقوبات على شبكات ذهب الحرب.
    *ثالثاً: الورقة المدنية – أديس أبابا وبرلين*
    بعيداً عن المجال العسكري، تقدمت القوى المدنية المناهضة للحرب بورقة إلى الخماسية في أديس أبابا في 12 أكتوبر الجاري، حصلت عليها “منصة سودان ستوري”
    المقترح يتضمن:
    1. هدنة إنسانية فورية.
    2. تشكيل لجنة تحضيرية من 40 عضواً موزعة بين ثلاث كتل: تحالف صمود، تحالف تأسيس، والكتلة الديمقراطية.
    3. تجميد نشاط حزب المؤتمر الوطني ومنع عودة الحركة الإسلامية.
    4. توحيد العملة والبنك المركزي والامتحانات خلال فترة الهدنة لمنع انقسام الدولة.
    5. معالجة القضايا العالقة مثل التجنيس بعد عودة المليون من جنوب السودان والأجانب.
    وفي برلين، عقد مؤتمر حول السودان أعاد طرح “الحل المدني” في مواجهة “الانقلاب”. حضر رئيس تحالف صمود عبد الله حمدوك جدد دعمه لخريطة طريق الرباعية والتنسيق مع الخماسية. وقال المحلل السياسي “سيبويه يوسف” إن المؤتمر أسس لمستقبل التحول الديمقراطي ونزع الشرعية عن حكومة الأمر الواقع ، التي تخشى من العودة إلى الوثيقة الدستورية وشرعية الحكم المدني التي انقلب عليها الجيش في أكتوبر 2021 بقيادة الحركة الإسلامية.
    *رابعاً: الميدان – رسائل بالنار*
    تزامناً مع حراك جنيف، اتسع نطاق القتال:
    – *أبيي:* مجزرة في سوق أميت شمال أبيي، 73 قتيلاً و19 جريحاً إثر هجوم مسيّرات.. جنوب السودان استدعى السفير السوداني وسلمه احتجاجاً شديداً.
    – *الخرطوم:* غارات مسيّرة على شرق الخرطوم، قرب المطار والقيادة العامة، وسقوط ضحايا في بري وامتداد ناصر. الجيش أعلن إسقاط مسيّرتين.
    – *نيالا وكادوقلي:* 16 غارة في نيالا خلال ساعات، ومصادر تتحدث عن مقتل 18 ضابطاً من الدعم السريع. تقارير عن استهداف كادوقلي.
    – *النيل الأزرق:* الجيش أعلن إحباط هجوم للدعم السريع والحركة الشعبية شمال في منطقة سالي، والاستيلاء على 15 عربة قتالية.
    *خامساً: إلى أين؟*
    السودان اليوم أمام مفترق واضح:
    إما أن تنجح جنيف في تحويل التوافق الدبلوماسي إلى أدوات ضغط حقيقية – مراقبة مستقلة، جسر جوي إنساني كما طالبت واشنطن، وحظر سلاح – وتفرض هدنة تفتح الباب لعملية سياسية يملكها السودانيون.
    وإما أن يستمر التناقض بين الخطاب الدبلوماسي والواقع الميداني، فتتحول المبادرات إلى بيانات جديدة، ويستمر الجيش والدعم السريع في رهان الحسم، فيما يدفع المدنيون الثمن في الخرطوم ودارفور وأبيي.
    جنيف لا تريد بياناً آخر. جنيف تريد اختبار النفوذ.
    *الهنا حميدان حسن*