بقلم / سمير سيد عثمان
*إذاعة تعود إلى الأثير ،، وتلفزيون يستعد للشاشة ،، ومتاحف ومعارض ومكتبة ومسرح تفتح أبوابها من جديد*
في ولاية الجزيرة ،، حيث يتصل سِفر الأرض بعرق المزارعين ،، لا تبدو الثقافة أمراً هامشياً يمكن تأجيله ،، ولا الإعلام مجرد ناقل للأخبار ..
كلاهما نافذة يرى الناس منها أنفسهم ويطلّون منها على العالم ..
وبعد الظروف القاسية التي أثّرت في مؤسسات الولاية وخدماتها ،، تكتسب عودة المنابر الثقافية والإعلامية في ودمدني معنىً يتجاوز النشاط الرسمي ،، فهي علامة على عودة الحياة إلى المدينة ..
وفي قلب هذا الحراك وزارة الثقافة والإعلام بقيادة الأستاذ *عبدالرحمن إبراهيم مختار* ،، بدعم من حكومة الولاية بقيادة الوالي الطاهر إبراهيم الخير ..
وهو دعم يُحسب للحكومة ،، لأنه يؤكد أن ملف الثقافة والإعلام جزء أصيل من أولويات التعافي ..
*الإذاعة : صوت يعود إلى بيوت الناس*
تمثل عودة إذاعة ود مدني إلى البث من أكثر محطات هذا الحراك دلالة ..
فالإذاعة ذاكرة تسكن البيوت وصوت ألفه الناس ،، وعودتها تعيد للمدينة حضوراً يستحق أن يُسمع داخل السودان وخارجه ..
وقد جسّد البث المباشر لإعلان نتائج امتحانات الشهادة المتوسطة والشهادة السودانية دور الإعلام العام حين يقترب من انشغالات الأسر ويقدم المعلومة في وقت حاجتها ..
وتشير الترتيبات الجارية إلى توجه نحو تشغيل الإذاعة على مدار 24 ساعة ،، وهو هدف يتطلب برامج متجددة وكوادر مؤهلة وتمويلاً مستقراً للتشغيل ..
*التلفزيون : نحو شاشة تليق بالجزيرة*
على المسار ذاته تتواصل أعمال إعادة تأهيل مبنى التلفزيون بتركيب أجهزة جديدة وتنفيذ أعمال الصيانة ،، التي بلغت وفق ما أُعلن نحو 80 في المائة ،، تمهيداً للافتتاح الرسمي وعودة قناة الجزيرة الخضراء إلى الشاشة ..
غير أن التحدي الأكبر لا يكمن في تشغيل الأجهزة ،، بل في صناعة محتوى يعكس هوية الجزيرة ويخاطب مختلف شرائح مجتمعها ..
فالمباني تمنح الإعلام أدواته ،، أما الفكرة الجيدة والإنسان المبدع فيمنحانه روحه ..
*الثقافة تعود إلى الناس*
في الجانب الثقافي ،، شهد متحف الجزيرة بود مدني قيام الخيمة المجتمعية التي تنفذها الوزارة بالتعاون مع المجلس الثقافي البريطاني ،، وهي مبادرة تفتح مجالاً للحوار والتبادل الثقافي وتجعل المؤسسة الثقافية مكاناً حياً يلتقي فيه الناس ..
وفي المجمع الثقافي يبرز متحف التراث مساحةً لحفظ الذاكرة الوطنية ،، فالتراث ليس صفحة طُويت من الماضي ،، بل جزء من الهوية وجسر نحو المستقبل لا يقطع الجذور ..
وفي الفن والمعرفة ،، افتُتح معرض الفن التشكيلي بقصر الثقافة ليمنح الفنانين فرصة لعرض أعمالهم والتواصل مع الجمهور ..
وأُعلن التوجه نحو إقامة معرض *(الكرامة)* بمشاركة رسامي الولاية ،، ليوثق عبر اللوحة معاني الصمود والتعافي ..
وجاء افتتاح معرض الكتاب بالتعاون مع دار المصورات ،، ثم افتتاح المكتبة العامة بالمركز الثقافي ،، ليؤكدا أن استعادة الحياة لا تكتمل بإصلاح المباني وحدها ،، بل بإعادة الاعتبار للقراءة ،، وإتاحة الكتاب للطالب والباحث والقارئ والطفل الذي يكتشف متعة القراءة لأول مرة ..
*مسرح الجزيرة : ستارة توشك أن تُرفع*
وبينما تتوالى هذه الافتتاحات ،، يتابع الوزير عبدالرحمن إبراهيم مختار الترتيبات الجارية لمسرح الجزيرة ،، الذي يستعد لاستقبال جمهوره قريباً بنشاط مسرحي وغنائي يعيد إلى الخشبة نبضها ..
فـ للمسرح في وجدان المدن سحر خاص ،، فهو المكان الذي يقف فيه الفنان وجهاً لوجه أمام الناس ،، فيتحول النص المكتوب إلى مشهد نابض ،، وتصير الأغنية جسراً بين القلوب ..
وحين ترتفع الستارة وتتعالى الألحان ،، تستعيد ودمدني جانباً أصيلاً من روحها ،، وتجد الأصوات والمواهب منبراً يليق بها ،، ويجد الجمهور مساحة يلتقي فيها بالفرح والتأمل معاً ..
*لماذا تهم الثقافة والإعلام في التعافي؟*
لا يقتصر التعافي على المستشفى والمدرسة والمصنع ومشروع الإنتاج ،، فكل ذلك يحتاج إلى إعلام يعرّف بالجهود ويبني الثقة ،، وثقافة تعزز الانتماء وتمنح المواطن شعوراً بأنه شريك في التغيير ..
والمجتمعات الخارجة من الأزمات تحتاج أيضاً إلى مساحات تلتقي فيها وتتحدث وتبدع ،، لأن التعافي النفسي والاجتماعي لا يقل أهمية عن إعادة الإعمار المادي ..
*من الافتتاح إلى الاستدامة*
الإنجاز الحقيقي لا يقف عند قص الشريط ،، بل يبدأ من اليوم التالي للافتتاح ..
ولكي تتحول هذه الخطوات إلى عمل مؤسسي مستدام ،، تبدو الحاجة قائمة إلى :
– توفير تمويل ثابت للصيانة والتشغيل .
– تأهيل الكوادر الإعلامية والفنية والمسرحية والاحتفاظ بها .
– حفظ المحتوى والأرشيف وتطوير الإنتاج المحلي .
– الاستفادة من الوسائط الرقمية للوصول إلى أبناء الجزيرة في الداخل والخارج .
– برامج مستمرة في المتاحف والمعارض والمكتبات والمسرح تجعلها جزءاً من الحياة اليومية ،، لا مناسبات مرتبطة بالافتتاحات .
– شراكات أوسع مع الجامعات والمبدعين والمنتجين والمؤسسات الثقافية .
*الجزيرة* ليست أرضاً زراعية منتجة فحسب ،، بل هي أيضاً أرض الفن والمعرفة والذاكرة وأرض المحنه ..
وحين تعود إذاعة ود مدني إلى الأثير ،، وتستعد شاشة الجزيرة الخضراء للعودة ،، وتفتح المكتبة أبوابها ،، وترتفع ستارة المسرح على الكلمة واللحن ،، وتستقبل قاعات الفن والكتاب روادها ،، فإن الرسالة أعمق من نشاط ثقافي :
*الحياة قادرة على استعادة صوتها ،، والمدن التي تحفظ ذاكرتها تصنع مستقبلها ..*
ولأن الجزيرة تستحق أن يسمع العالم صوتها ،، فإن أجمل ما يمكن أن تقدمه وزارة الثقافة والإعلام هو أن تجعل منبرها حاضراً ،، وذاكرتها محفوظة ،، وإبداع إنسانها مرئياً ومسموعاً على الشاشة وعلى خشبة المسرح ،، فحين تستعيد الجزيرة منابرها ،، لا تعود ودمدني وحدها إلى الضوء ،، بل تفتح الولاية كلها نافذة جديدة على الأمل .
سمير سيد عثمان
الخميس 15 أكتوبر 2026م







إرسال تعليق