بقلم / ايوب صديق
“كاتب – شاعر- خبير إعلامي سوداني- مذيع b.b.c الأسبق”
الان وقد استقر الامر على رفض امريكا منح الرئيس البرهان تاشيرة دخول اراضيها، وكان يساورها وهم بمساومته بمنحه التأشيرة مقابل قبوله فرض هدنة التسعين يوما، متوهمة ان ذلك سيثنيه عن موقفه الصارم، الذي اشهد عليه العالم كله ، بالا هدنة ولا تفاوض مع مليشيا الدعم السريع، حتى القضاء عليها قضاء مبرما. ذلك قوله، وهي على اي حال لم يبق منها الان إلا فضلة يسيرة.ليعلم بطرس الان فوق ما يعلمه بان هدنة التسعين يوما في سبيل الحفاظ على بقية المليشيا بما يعيدها الى مسرح الحياة السياسية، لهي ابعد الان منالا عند شعب السودان من الثريا، ولن تنال امريكا ذلك بانكارها شرعية الحكم في السودان، وكانما شرعية الحكم فيه تكتسب بالرضا الأمريكي! فكل تلك التصرفات من امريكا من منع التاشيرة وانكار شرعية الحكم في البلاد ؛لن تزيد الموقف العسكري إلا صلابة وكسوبا متوالية في ميادين الحرب، التي يريدون وقفها، خوفا من أن تؤتي أكلها، وهو تطهير جميع البلاد من رجس التمرد، وهي بالغة ذلك باذن الله، رضي بطرس وسادته ام أبوا.بيد ان هذه الشجاعة العسكرية التي يجمع عليها الشعب السوداني للبرهان في ميادين القتال، يرجى منه ان يماثلها بمواقف سياسية شجاعة، يعامل بها السودان امريكا بمواقف مماثلة، من منع تأشيرات دخول أراضيه لاي امريكيين مهما علا شانهم، وليكن اولهم اسعد بطرس، الذي سيرغب في زيارة السودان ذات يوم لمواصلة ما يقوم به في سبيل الحرص على البقية الباقية من التمردين على قيد الحياة.و كما يعلم البرهان انه كان لنظام الإنقاذ ارث معلوم من الشجاعة وصارم المواقف في مجابهة الغرب وزعيمته امريكا، وما كانت معارك الإنقاذ الحربية في الجنوب إلا مقاومة ومجابهة للغرب الذي كان يرمي الى فرض دولة (السودان الجديد ) العلمانية على البلاد. وتلك المجابهة في واقع الأمر دامت الثلاثين عاما، مدة حكم الإنقاذ، حتى دالت دولتها باجراء الله تعالى سنته في خلقه عليها.وفي هذا المجال اعرض هنا اربعة مواقف تدل على شيء من صرامة رجال الانقاذ، وتعاملهم مع الامريكان بالمثل. ومن تلك الاربعة المواقف ، موقف منفرد قلته من قبل واقوله الان، ثم اتبعه بالمواقف الثلاثة الاخرى.ذلك ايام كان للدكتور الترابي دور في الحكم، حيث حضر اليه السفير الامريكي، وبكل صلف دفع اليه بورقة كان يحملها، فنظر فيها الترابي فوجد فيها تهديدا لهم، فحواه ان لم تغيروا نهجكم فاننا سنتدخل، فرمى الترابي بالورقة امام السفير وقال له:(كنتم في فيتنام ، البلد الصغير،تغيرون بطائراتكم ثم تلجؤون إلى سفنكم، فجربوا ذلك الان معنا لتكون قواتكم طعاما للسباع والطير في فيافينا الواسعة)! وقال الترابي ان ذلك السفير لم يرد بكلمة واحدة، بل اكتفى بشرب ما قدم اليه وانصرف.ذلك ما فعله الدكتور الترابي بالسفير الأمريكي. اما ما فعله تلميذه دكتور مصطفى عثمان عندما كان وزيرا للخارجية كان اعنف وابلغ وأشد وقعا وأثرا على الأمريكيين.
يقول دكتور مصطفى عثمان انه لاحظ ان نوابا من الكونغرس الأمريكي ايام احداث دارفور ، يطلبون المجيء إلى بلادنا ليطلعوا، كما يقولون على الحقائق على ارض الواقع ، فيأتوا وبمجرد عودتهم يتحدثون كذبا عن مشاهدتهم للإبادة الجماعية هناك.
فقال دكتور مصطفى انه طلب من رئیس البرلمان احمد ابراهيم الطاهر ، ان يرسل اليه خطابا يطلب فيه زيارة وفد من البرلمان السوداني للكونغرس الأمريكي بغية التفاكر والتباحث في القضايا المشتركة. وقال انه يعلم يقينا انهم لن يوافقوا لهم. قال فكتبنا لهم في ذلك، وانتظرتا اسبوعا واسبوعين، فلم يردوا وعلمنا رفضهم.
وبعد ذلك طلبت السفارة الامريكية تأشيرات لوفد من الكونغرس، يعتزم الحضور فاعلنتاهم بالحاصل، وبعد ان تمنحوا نوابنا التأشيرات التي طلبناها لهم، سنمنح نوابكم بعد ذلك التأشيرات التي طلبتموها لهم. فقال انهم عندها فهموا ما نعنيه فتوقفوا بعد ذلك. وقال انني اخبرت سفارتنا في امريكا بعدم منح اي نائب من الكونغرس تأشيرة إلا بعد الرجوع الينا، فتوقفوا عن طلباتهم.
هذا هو الموقف الصارم الثاني.
اما الموقف الصارم الثالث؛ فبعد ان رفع مجلس الامن العقوبات عن السودان بعد حادث اديس ابابا الخاص باستهداف الرئيس مبارك، ظل الأمريكيون يختمون جوازات الدبلوماسيين السودانيين، ويصرون على إلا يسمح لهم بالابتعاد من اماكن عملهم اكثر من خمسة وعشرين كيلو مترا، سواء كان ذلك في واشنطون او نيويورك.
فاحتج دكتور مصطفى للجنرال كولن باول وزير الخارجية آنذاك وقال له ان في ذلك اهانة لا نقبلها. فوعده كولن باول بعلاج الموضوع ولكن الامر لم يتغير.
في تلك الظروف حانت سفرة للنائب الاول لرئيس الجمهورية إلى الولايات المتحدة، فاتصل دكتور مصطفى بكولن باول فاخبره ان انتم ختمتم جواز النائب الاول ستكن هناك مشكلة، ورغم ذلك ختموا جواز النائب الاول.
فردا على ذلك،سال دكتور مصطفى مدير المراسم بالخارجية السودانية ان كان يستطيع احضار جوازات الدبلوماسيين الامريكيين في الخرطوم اليهم ، فأخبره بامكانية ذلك، فأحضر مدير المراسم جوازات الدبلوماسيين الامريكيين في الخرطوم، فامر دكتور مصطفى بختمها جميعا، مع النص على عدم السماح لهم بالابتعاد من منطقة القصر الجمهوري اكثر من خمسة وعشرين كيلومترا.
وفورا بعد ذلك الأجراء بالمثل الغى الاميركيون ختم جوازات الدبلوماسيين السودانيين والغوا تحديد مسافة الخمسة وعشرين كيلومترا كذلك، وكذلك الغى السودان بدوره ما فرضه على الأمريكيين بالمثل.
اما الموقف الرابع الصارم من التعامل بالمثل؛ قال دكتور مصطفى انه تحت ضغط النشطاء المعادين للسودان في امريكا اصبحت البنوك الأمريكية ترفض فتح حسابات للسفارة السودانية بل جمدت حسابها المفتوح أصلا، فقال انه اتصل بمحافظ بنك السودان انذاك وكان دكتور صابر محمد الحسن، فسألته عن حسابات السفارة الأمريكية فقال له انها في (ستي بانك) في الخرطوم، فقال له هل تستطيع ان تجمدها ؟ فقال له صابر نعم وذلك من صلاحيتي، فقال له دكتور مصطفى طيب استعد لذلك. وقال انه اتصل هاتفيا بكولن باول، وقال له انني سأعطيكم ثماني واربعين ساعة، لتعالجوا موضوع حساب سفارتنا عندكم،وان لم تفعلوا فاننا سنجمد حساباتكم هنا. وقال دكتور مصطفى انه قبل الثماني والأربعين ساعة التي حددها لهم اعيد فتح حساب السفارة وحلت المشكلة. كل ذلك سمعته شخصيا من دكتور مصطفى ، وذكره هو على شاشة احدى القنوات التلفزيونية.
فالأمريكيون لا يثنيهم عن غرورهم إلا الموقف الشجاع الصارم المستند الى الحق، والذي يوثر على مصالحهم.وما تلك المواقف التي اوردتها لرجال الإنقاذ إلا بيان صادق لذلك، ونامل ان نقرا بان اول معاملة بالمثل برفض تاشيرة دخول لإرضائنا تطبقها حكومتنا برفض تاشيرة لأسعد بطرس الذي ينظر إلى بلادنا وكانها مستعمرة تابعة لبلاده.
وختاما اقول للبرهان:
ترسموا نهج من سبقكم من رجال الانقاذ في مواجهة القوم الظالمين، مستمسكين بقول ربكم:
﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 139]







إرسال تعليق