بقلم / زين العابدين صالح عبد الرحمن
“كاتب – خبير إعلامي – باحث في الشأن السياسي”
نجد أن الصراع الفكري في السودان مر بمرحلتين.. الأولى كانت محدودة الإنتاج الفكري، و رائدها محمد أحمد المهدي، عندما نقد الحالة الدينية في تلك الفترة، و ربطها بالسياسة، و قال مقولته المعروفة عن اجتهاد الائمة الأربعة. و قال هم رجل و نحن رجال.. المقولة نفسها كانت تؤكد اتساع الرؤية المعرفية عند المهدي.. المرحلة الثانية بدأت بعد تكوين الأحزاب في السودان، أي في اربعينيات القرن العشرين، هي الفترة التي أظهرت فاعلية الطبقة الوسطى في المجتمع، و كان لها أثرا كبيرا في الحراك الثقافي، و من بعده السياسي.. الملاحظ في المرحلة الثانية للصراع الفكري؛ نجد إن النخبة المنتجة للفكر كانت تحدث تحولات داخل منظومتها السياسية، بمعنى إذا ارتبط النشاط الفكري بالمجتمع يحدث تغيرا بصورة مباشرة.. و إذا ظل الانتاج الفكري فقط وسط النخب يكون معلق في الهواء لا أثر له في التحولات الاجتماعية و السياسية.. و في تاريخ السودان الحديث نلاحظة: إن الأحزاب التي لها فاعلية في القوى الجديدة هي التي كان لها إنتاجا فكريا..
إذا رجعنا للثورات التي كان لها ارتباط بالأفكار نجد أثرا مباشرا لذلك.. مثالا نجد إن ثورة الطلاب في فرنسا 1968م، كان لنخبة معهد فراكنفورت اليسارية أثرا كبيرا في الثورة. حيث اعتبر هربت ماركوزا أب روحي للحركة الطلابية، و كانت أطروحته الفكرية تقول: إن الرأسمالية الاستهلاكية استطاعت أن تدجن الحركة النقابية العمالية. و اعتبر أن القوى الاجتماعية الهامشية في المجتمع و على رأٍسهم الطلاب هم الذين يستطيعوا قيادة الثورة ضد الرأسمالية الاستهلاكية.. هل كان لفكرة ماركوزا تأثير على الدكتور جون قرنق و ثورة الهامش؟ .. و أيضا بفكرة تأسيس الطلاب المستقلين في الجامعات السودانية؟.. و أيضا علاقة منهج التحليل الثقافي الذي تبناه الدكتور محمد جلال هاشم، بمنهج التحليل الثقافي الذي بدأ كمفهوم ثقافي سياسي في جامعة برمنجهام في بريطانيا عام 1964م و يقال أن جذور الفكرة تعود إلي مونتيسكيو و كتابه ” روح القوانين” و ماكس فيبر و كتابه ” الأخلاق البروتستانتيه وروح الرأسمالية”.. لا أريد أن انتقص من مجهود أي شخص لكن تتبع أثر الفكر في التحولات السياسية و الثقافية في المجتمع و بين النخب..
الملاحظ هناك نخبة داخل مدرسة فرانكفورت قد رفضت الثورة الطلابية في فرنسا، لأنها تحولت إلي مواجهات عنيفة مع السلطة، لذلك تخوفوا من تحولها إلي ثورة فاشية.. لكن نجد إن جان بول سارتر رغم موقفه المضاد للعنف لكنه انحاز لثورة الطلاب، و منحها الشرعية الفكرية.. و الثورة الطلابية حتى بعد اخمادها احدثت تأثيرات كبيرة في ظهور البنيوية و التفكيكية كمنهجان نقديان فكريان تفكيكيان لدراسة الظواهر و النصوص باعتبارها بنيات متماسكة يجب اكتشاف القولنين الداخلية لتلك الظواهر و النصوص.. إن نقد الثورة و دراسة الظاهرة نفسها هي التي كانت سببا في البحث عن مناهج جديدة لدراسة الظواهر الاجتماعية..
إذا رجعنا إلي تجربة الحركة الشعبية، نجد إن أطروحات الدكتور جون قرنق الفكرية، كانت وسط النخبة و ليس لها علاقة بالقاعدة الاجتماعية التي كانت مناصرة للحركة، و عندما كتب ستيف وندو الذي كان ممثل الحركة في أمريكا في مجلة ” مسارات” التي صدر منها العدد الأول فقط، قال وندو ( نحن في الحركة أسسنا لواء السودان لكي نستقطب به الشماليين الذين لا يريدون جنوبي يترأسهم) و إذا نظرنا للنخب الشمالية في الحركة كانت مستوعبة تنظيميا في مكتب قرنق و ليس لها علاقة بالتنظيم القاعدي للحركة، و لا تشارك في انتخابات الحركة.. فحركة الفكر و الثقافة في الحركة كانت دائرة وسط النخب. و لم يكن لها أثرا كبيرا في مجتمع الحركة العريض.. لذلك ظلت أطروحات النخب بعيدة عن التفكير اليومي..
إن النقد الذي كان وجهه محمد إبو القاسم حاج حمد في كتابه ” المأزق التاريخي و أفاق المستقبل” إلي الزعيم الأزهري، قال فيه ( كان أسماعيل الأزهري أقل الناس إدراكا لدوره كزعيم لحركة المثقفين من جيل الاستقلال فقد كان هو شخصيا أضعف الحلقات في تكوين المثقف السوداني) يعود نقد أبوالقاسم بالحدة لأنه كان في الجانب الأخر ” حزب شعب ديمقراطي” و لكن الأزهري يلام في عدم تحمله للمثقفين، عندما ابعدهم من الحزب ” إلي من يهمه الأمر سلام” الغريب إن الأزهري تحمل النقد الخارجي خاصة من قوى اليسار..
إذا رجعنا إلي الصراع الفكري الذي كان يقوده عبد الخالق محجوب سكرتير الحزب الشيوعي نجد أن عبد الخالق كان يربط القاعدة الحزبية بالصراع الذي حدث مع ” عبد الوهاب زين العابدين و عوض عبد الرازق، ثم عبد الرحمن عبيد الماركسيين الصينين و حتى دعاة الديمقراطيون الثوريون” لذلك كان عبد الخالق له دورا و أثرا في الوعي السياسي، تجاوز به الحزب لمجموعات في أحزاب أخرى.. أرتباط عبد الخالق بالقاعدة الحزبية هو الذي أعطى للحزب مكانة كبيرة وسط النخبة السودانية دون تمييز.. رحل عبد الخالق تراجع دور الحزب. ظهر ايضا مع محمد إبراهيم نقد بعد إنتفاضة إبريل.. و لكن الظهور الكبير كان للخاتم عدلان لأنه طرح رؤيته للقاعدة، لذلك كان أثره كبير في الحزب و الخروج منه.. مات الخاتم و تراجع الدور الفكري تماما في حق التي غابت من الساحة.. إن غياب المفكرين داخل الحزب الشيوعي, وعدم طرح أراء فكرية للقاعدة،هو الذي غيب الحزب تماما عن الساحة السياسية..
و إذا نظرنا لتجربة الحركة الإسلامية نجدها كانت في حالة صعود مع الدكتور الترابي و استقطاب للشباب عندما صدرت الكتب الأولى للترابي ” حوار الدين و الفن و المرأة الأصول و التقاليد و التفسير التوحيدي و في الفقه السياسي و السياسة و الحكم و غيرها” كانت ادوات استقطاب لأنها كانت مطروحة للقاعدة. بعد المفاصل و الانقسام للحركة نجد إن دور الحركة تراجع.. و إذا نظرنا للحكم منذ 2000 حتى 2019م كانت محل من الإنتاج الفكري و المعرفي و الثقافي.. كان لابد أن يؤدي إلي تراجع للحركة..
إن حركة الفكر في المجتمع، و خاصة في الأحزاب، تلعب دورا كبيرا في نمو الوعي السياسي، و خاصة إذا تفاعلت معها القاعدة الحزبية من خلال الذين عندهم القدرة على الإنتاج المعرفي، و ممارسة النقد العلمي،، و تتراجع حركة الفكر إذا لم ترتبط بالقاعدة، و الجماهير و ظلت معلقة في البناء الفوقي للنخبة، لآن الأفكار هي أدوات للتغيير و لابد أن تكون لها علاقة وطيدة مع الأدوات الفاعلة في التغيير.. نسأل الله حسن البصيرة..







إرسال تعليق