التهيئة للحوار [1]

  • بتاريخ : 4 أكتوبر، 2026 - 6:39 ص
  • الزيارات : 6
  • دولة القانون ||  د. عبد العظيم حسن
    المحامي

    الحقيقة التي لابد من الاعتراف بها أن متطلبات الحياة اليومية لم ولن تتوقف. وسواءً قبل أو بعد فشل تمرد الجنجويد، لم يعد السؤال الذي يواجه السودان هو: هل نحتاج إلى الحوار؟ وإنما أصبح السؤال الأكثر إلحاحاً: كيف نهيئ لحوار يستطيع أن يعالج الأزمة، لا أن يعيد إنتاجها في صورة جديدة؟ فحرب الخامس عشر من أبريل لم تكن وليدة لحظة واحدة، بل جاءت في سياق أزمة سياسية وعسكرية بدأت بانقلاب على السلطة، ثم تحولت إلى حرب أوسع ألحقت بالدولة والمجتمع كلفة هائلة من الأرواح والتهجير والدمار وتعطيل مؤسسات الدولة والاقتصاد. ولذلك فإن انتهاء القتال، على أهميته، لا يعني بالضرورة انتهاء الصراع؛ فالحرب التي بدأت في سياق التنافس على السلطة قد تنتقل من ساحات المواجهة إلى ساحات السياسة، ما لم تُعالج جذورها.
    وتبدأ صعوبة التهيئة من حقيقة أن الصوت السوداني ظل، طوال سنوات الحرب، أضعف من أصوات الخارج؛ فقد تداخلت المصالح الإقليمية والدولية مع الصراع الداخلي، وتعددت المبادرات والوساطات، حتى بدا السودان في كثير من الأحيان موضوعاً للحلول أكثر منه شريكاً في صناعتها. وفي المقابل، ساهم الانقسام السوداني نفسه في إضعاف الصوت الوطني، حين تحول الخلاف السياسي إلى تنافس على من يملك حق تمثيل السودان ومن يملك حق تحديد مخرجه. كما تحولت الحرب لدى بعض القوى من مواجهة عسكرية إلى امتداد للصراع السياسي، فأصبح إنهاؤها مرتبطاً أحياناً بإقصاء الخصم وتحقيق الانتصار عليه، مهما كانت الكلفة الوطنية. وهنا تبرز المفارقة الأعمق: فالحرب نفسها نشأت في ظل صراع على السلطة، أولاً بين المدنيين والعسكريين، ثم داخل المكوّن العسكري، ولذلك فإن وقف الحرب من دون معالجة هذا الجذر قد لا ينهي الصراع، وإنما ينقل أدواته من السلاح إلى السياسة.
    ومن هنا تبرز أهمية الحوار السوداني ـ السوداني باعتباره مدخلاً لاستعادة زمام المبادرة الوطنية، وتوسيع دائرة المشاركة في معالجة الأزمة، وهي فكرة تتقاطع في أصلها مع ما تطرحه الجهود الإقليمية والدولية من ضرورة قيام حوار شامل تقوده ملكية سودانية. لكن الحوار، وهو يخرج من قلب هذه التناقضات، لا يمكن أن يكون بمنأى عنها؛ فالتهيئة للحوار ليست مجرد ترتيبات تسبق انعقاده، وإنما هي الاختبار الأول لقدرته على النجاح. فإذا ظلت التهيئة أسيرة الاستقطاب والصراع على التمثيل والسلطة، فقد يبدأ الحوار قبل أن يبدأ، لكنه يعيد إنتاج الأزمة بأدوات سياسية جديدة. ولذلك فإن التحدي الحقيقي ليس التخلي عن الحوار، وإنما تحرير التهيئة له من منطق الحرب، وتحويلها إلى عملية وطنية مستقلة تسبق الحوار، وتعيد للسودانيين زمام المبادرة، وتفتح الطريق أمام حوار يعالج جذور الأزمة لا مظاهرها وحدها.
    د. عبد العظيم حسن
    المحامي – الخرطوم