نبض للوطن || أحمد يوسف التاي
قبل إعمار الخرطوم…كيف نبني النفوس التي امتلأت حقدًا
(1)
الحرب بين الجيش والمتمردين ستنتهي، طال الزمن أو قصر، وستنتهي هذه الفوضى العارمة التي تأخذ الآن بتلابيب كل شيء، وستعود الدولة بإذن الله لتبني الجسور والأنفاق وتصلح كوابل الكهرباء المنهوبة، والمخربة ، إذن هذه ليست المهمة المعضلة ، ولا هي بالمستعصية … لكن كيف نبني النفوس التي امتلأت حقداً؟ كيف نعالج هذا الشرخ الاجتماعي الخطير الذي كشفت عنه الحرب… والذي أقفُ أتأمله هذه الأيام عند كل مرفق مدمر، وعند كل نخلات محروقة داخل دار تنزف وتعاني وحشة الأحباب، وعند كل خراب يبرز ملامح الحقد الطبقي في أبشع صورة ، وعند كل منزل جميل أضرمت فيه النار وحطمته بعد نهب كل محتوياته، وفي حطام الفارهات التي امتلأت به الأمكنة والأزقة والشوارع.. لا شيء ينبيءُ عن فعل كهذا ولا يفسره ويسبر أغواره إلا الحقد الأسود البهيم..
(2)
وقفت الأسبوع الماضي على بعض أحياء العاصمة الخرطوم.. الخرطوم التي كانت تضج بالحياة، تتكئ اليوم على جراحها الغائر الذي يثعب دمًا قانيًا وتحاول أن تنهض من تحت الركام.
الخراب الذي خلفته الحرب كبير، لكن هذا أمر متوقع لجهة أن هذه هي طبيعة الحروب، تدمر البنيات التحتية والجسور والمرافق الخدمية والمستشفيات. لكن ما رأيته لم يكن خراب حرب فقط، بل رأيت حقدًا طبقيًا أعمى ..
ما استعصى على فهمي وكبر في نفسي هو مشهد آخر، لا علاقة له بالقتال العسكري…محلات تجارية لم تكتفِ الحرب (الأخرى) بنهبها، بل أُحرقت بعد نهبها….منازل مواطنين أُضرمت فيها النيران عمداً بعد أن فُرغت من محتوياتها… أشجار نخيل ووأشجار زينة، لها رمزيتها وجمالها، قُطعت وأُحرقت بلا أي مبرر عسكري. مرافق صغيرة يقتات منها الفقراء، دُمرت تدميراً انتقامياً كأن من فعلها يريد أن لا يعود صاحبها إليها أبداً.
هذا ليس سلوك مقاتل يبحث عن موقع أو غنيمة، هذا سلوك انتقامي.
(3)
إننا أمام خطر يتجاوز خطر التمرد وحربه، نحن أمام حرب أخرى مسكوت عنها: حرب طبقية وحقد اجتماعي أعمى كان كامنًا ثم انفجر مع أول رصاصة.
عندما نرى رأي العين أن هناك كحل تجاري تم حرقه وتحطيمه تماما بعد نهبه، فالرسالة خطيرة ومخيفة للغاية، لكن من يقرأ ما بين سطورها ويقف عند مؤشراتها الخطيرة “، الرسالة بالتأكيد “لا أريدك أن تملك هذا وانت لست اهل له وليس من حقك”….عندما تُحرق نخلات داخل فناء منزل ، فلا هدف عسكري هنا، بل رغبة في محو أثر الجمال والاستقرار، ورمزية هذه النخلات… عندما تُحرق البيوت بعد إفراغها وتخريب أثاثاتها، فهذا تعبير عن كراهية ضد طبقة، ضد حي، ضد نمط حياة…هذه للأسف الصورة والرسالة..هذا هو الخطر الحقيقي الذي يجب أن يقرع ناقوسه الآن.
(4)
ما حدث في الخرطوم يكشف أننا لم نكن نعيش في مجتمع متماسك قبل الحرب كما كنا نتوهم، فالواضح لي أنه كان هناك غبن وحقد متراكم، وخطاب كراهية طبقي يتم تغذيته سراً وعلناً، بأن هناك من يملك كل شيء وهناك من لا يملك شيئاً، وأن الحل هو الانتقام لا العدالة.
إن إعادة إعمار عاصمتنا الجريحة لا يكون بالإسمنت والحديد فقط. الإعمار الحقيقي يبدأ بمواجهة هذا الحقد.
ما احوجنا يا سادتي إلى مصارحة ومكاشفة .. لماذا يكره بعض أبناء هذا الوطن بعضهم إلى هذا الحد؟ من الذي غذى فيهم أن التاجر عدو، وأن صاحب المنزل الجميل هو من ألد الأعداء وأن الشجرة التي زرعها صاحب هذا المنزل يجب أن تُحرق..
(5)
ما نريده يا سودانيين هو العدالة لا الرغبة في الانتقام، وبث سموم الحقد الطبقي.. عدالة تحاسب كل من نهب وحرق ودمر، ليس فقط بتهمة التمرد، بل بتهمة دوافع الحقد الذي اوصل صاحبه الى ارتكاب الجريمة… نريد خطابا جديدا يعيد الاعتبار لفكرة حق المواطنة بالسوية، وأن ممتلكات المواطن ليست غنيمة، وبيته ليس هدفاً للتشفي.
الخرطوم عاصمتنا الجميلة ستعود كما كانت بإذن الله لكن عودتها لن تكون آمنة إذا عادت وهي تحضن نفس الحقد الذي أحرقها…..اللهم هذا قسمي فيما املك..
نبضة اخيرة:
ضع نفسك دائمًا في الموضع الذي تحب أن يراك فيه الله، وثق أنه يراك في كل حين.







إرسال تعليق