التأشيرة والتحقيق الدولي ..هل تحتاج الدبلوماسية السودانية الى التصعيد أم التهدئة

  • بتاريخ : 2 أكتوبر، 2026 - 1:24 م
  • الزيارات : 8
  • بقلم/ السفير الصادق المقلي

    *( A )*

    في ظروف السودان بالغة التعقيد.. وظيفة الدبلوماسية ليست فقط الاحتجاج، وإنما إدارة الخلافات وتجنب تحويلها إلى أزمات جديدة
    في بيانه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، طالب وزير الخارجية السوداني محيي الدين سالم بإجراء تحقيق دولي بشأن منع رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان من مخاطبة الجمعية العامة، بعد أن حالت الولايات المتحدة دون حصوله على تأشيرة الدخول إلى أراضيها.
    لا شك أن للسودان الحق في الاعتراض على القرار الأمريكي، كما أن من حقه أن يثير أمام الأمم المتحدة ما يراه انتهاكاً لحقوق دولة عضو في المنظمة الدولية. لكن السؤال الذي أراه أكثر أهمية هو: هل كان طلب إجراء تحقيق دولي هو الأداة الدبلوماسية الأنسب في هذه اللحظة؟
    وهل تحتاج الدبلوماسية السودانية، في ظل الظروف بالغة التعقيد التي يمر بها السودان، إلى مزيد من التصعيد في العلاقة مع واشنطن، أم إلى إدارة الخلاف معها بأكبر قدر ممكن من الهدوء؟
    سابقة لافتة.. ولكن
    من حيث المبدأ، فإن مطالبة وزير الخارجية بإجراء تحقيق دولي في منع رئيس مجلس السيادة من مخاطبة الجمعية العامة تبدو خطوة لافتة، وربما غير مسبوقة في مثل هذه الحالة.
    فحتى الرئيس الفلسطيني، الذي أدان قرار منع البرهان، لم يذهب ــ بحسب ما هو معلن ــ إلى المطالبة بإجراء تحقيق دولي في الأمر.
    لكن المشكلة في طلب الوزير لا تتعلق فقط بمدى مشروعية الاعتراض على القرار الأمريكي، وإنما بالسؤال: من الجهة التي يفترض أن تجري هذا التحقيق؟ وبأي آلية؟ وبأي سند قانوني؟
    فالوزير طالب بالتحقيق، لكنه لم يحدد الجهة التي يرى أنها صاحبة الاختصاص بإجرائه.
    وهذا ليس تفصيلاً شكلياً. فالاحتجاج الدبلوماسي يمكن أن يكون واضحاً ومباشراً، أما المطالبة بتحقيق دولي فتفترض تحديد الجهة المختصة، وطبيعة التحقيق، وما إذا كان المقصود تحقيقاً أممياً أم مراجعة قانونية أم إجراءً آخر.
    ماذا حدث فعلاً في قضية التأشيرة؟
    هنا ينبغي التمييز بين وقائع أصبحت معلنة وبين روايات لم تُحسم كل تفاصيلها.
    الثابت أن البرهان كان مقرراً أن يشارك في اجتماعات الجمعية العامة، وأن الولايات المتحدة لم تصدر له تأشيرة الدخول. وقد أثار السودان المسألة مع الأمم المتحدة، كما عبّر الأمين العام أنطونيو غوتيريش عن قلقه من عدم إصدار التأشيرة، وقالت الأمانة العامة إنها أثارت الأمر مع السلطات الأمريكية.
    والأهم أن السفير السوداني لدى الولايات المتحدة، محمد عبد الله إدريس، صرح بأن جواز سفر البرهان ظل لدى السفارة الأمريكية في القاهرة، وأن عدم إصدار التأشيرة حال دون سفره. كما أكد المستشار السياسي لرئيس مجلس السيادة، أمجد فريد، أن جواز السفر لا يزال لدى السفارة الأمريكية، وأن الخرطوم لم تتلق إخطاراً رسمياً بشأن قرار التأشيرة.
    وهذه ليست «رواية أخرى» بالمعنى الصحفي للكلمة؛ وإنما تصريحات صادرة عن مسؤولين سودانيين ينبغي التعامل معها باعتبارها جزءاً من الرواية الرسمية السودانية للواقعة.
    ولكن ماذا عن التأشيرة المشروطة؟
    هنا تحديداً تقع إحدى أهم نقاط الالتباس.
    فقد ظهرت تصريحات إعلامية تقول إن البرهان هو الذي رفض «التأشيرة المشروطة». وفي المقابل، أفادت تقارير رويترز بأن إصدار التأشيرة بدا مرتبطاً بموافقة البرهان على هدنة لمدة 90 يوماً اقترحها المستشار الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، لكن رويترز أشارت في الوقت نفسه إلى أن وزارة الخارجية الأمريكية لم تعلن رسمياً أن التأشيرة كانت مشروطة بقبول الهدنة.
    لذلك فإن القول إن «البرهان رفض التأشيرة» يحتاج إلى قدر كبير من الدقة.
    هل رفض البرهان تأشيرة عُرضت عليه بالفعل؟ أم رفض شروطاً مرتبطة بإصدارها؟ أم أن الولايات المتحدة لم تصدر التأشيرة أصلاً؟
    هذه أسئلة مختلفة تماماً.
    وإذا كان جواز السفر لا يزال لدى السفارة الأمريكية، وإذا كان السفير السوداني يقول إن التأشيرة لم تصدر، فإن الحديث عن «رفض البرهان للتأشيرة» يحتاج إلى تفاصيل موثقة: ما طبيعة العرض؟ وما الشروط؟ ومتى قُدمت؟ وهل كانت هناك تأشيرة جاهزة بالفعل ثم رفضها البرهان، أم كان الأمر مجرد ربط سياسي بين إصدار التأشيرة وموقف السودان من الهدنة؟
    هذه الأسئلة لا يمكن حسمها بالتصريحات الإعلامية وحدها.
    تصريح البرهان.. لا يهزم الرواية السودانية لكنه يكشف ارتباكاً
    أما تصريح البرهان نفسه، والذي قال فيه بعد أزمة التأشيرة إنه «لا يريد تأشيرة من أي دولة» وإنه لا يريد إذناً من أحد، فلا يصح استخدامه لإثبات أنه كان قد رفض التأشيرة قبل أن ترفضها واشنطن.
    ذلك أن التصريح جاء بعد أزمة عدم إصدار التأشيرة، وفي سياق خطاب سياسي اتسم بالتحدي ورفض ما وصفه البرهان بالابتزاز والضغوط الخارجية.
    وهنا يجب أن نكون منصفين في قراءة التسلسل الزمني.
    فلا يصح القول إن تصريح البرهان يثبت أن الرجل لم يكن يريد التأشيرة أصلاً.
    لكن التصريح، في المقابل، يخلق مشكلة أخرى للخطاب الدبلوماسي الرسمي؛ إذ يصعب أن تبني الدولة خطاباً شديد التصعيد أمام المجتمع الدولي حول حرمان رئيسها من التأشيرة، بينما يخرج رئيس الدولة نفسه بعد ذلك ليعلن أنه لا يريد تأشيرة من أحد.
    إنه ليس تناقضاً قانونياً بالضرورة، لكنه تباين في الرسالة السياسية والإعلامية.
    والدبلوماسية الناجحة تحتاج، خصوصاً في الأزمات، إلى خطاب رسمي متجانس: ماذا نريد؟ وماذا نطلب؟ وما الذي نحتج عليه تحديداً؟
    هل أضر هذا بمصداقية الروايات الإعلامية؟
    هنا تبرز أيضاً تصريحات ضياء الدين بلال ومزمل أبو القاسم حول أن البرهان هو الذي رفض التأشيرة المشروطة.
    إذا كانت هذه التصريحات تعني أن البرهان رفض بالفعل عرضاً رسمياً للحصول على تأشيرة بشروط محددة، فينبغي تقديم تفاصيل هذا العرض.
    أما إذا كان المقصود أن البرهان هو الذي رفض الحصول على التأشيرة من الأصل، فإن ذلك يصطدم مع التصريحات الرسمية التي تؤكد أن جواز سفره ظل لدى السفارة الأمريكية وأن التأشيرة لم تصدر.
    ومن هنا فإن القضية لا تتعلق بالأشخاص بقدر ما تتعلق بالحاجة إلى رواية رسمية واحدة ومتماسكة.
    فالسفير يقول شيئاً، والمستشار السياسي يقول شيئاً متسقاً معه، والبرهان يقدم بعد ذلك خطاباً سياسياً مختلفاً في دلالته، بينما يذهب بعض المعلقين إلى رواية أخرى.
    وهذه ليست البيئة المثالية التي ينبغي أن تُدار فيها قضية تريد الحكومة السودانية أن تقدمها إلى المجتمع الدولي باعتبارها قضية قانونية ودبلوماسية.

    .