بقلم / م.م. الإمام عبداللطيف الإمام
في زمنٍ انكسرت فيه البندقية وتاهت فيه الرواية، واحترفت فيه منصات الخارج تسويق الوجوه القديمة بغلاف دولي جديد، احتاج السودان إلى صوتٍ لا يرتجف أمام الكبار، ولا يساوم على السيادة، ولا يبيع الكلمة في سوق المساومات. فكان الحارث إدريس.
كثيرون يسألون اليوم: من هو هذا الرجل الذي يواجه سفراء الدول العظمى بلا تردد، ويرد على المنظمات الدولية بلغة القانون لا بلغة الاستجداء، ويحول قاعة مجلس الأمن من منصة لإدانة السودان إلى منصة للدفاع عنه؟
الإجابة ليست في ظهوره على الشاشات، فالشاشات لم تصنعه. الإجابة في مسيرةٍ عمرها أكثر من أربعين عاماً من القانون والدبلوماسية والعمل في قلب النظام الدولي نفسه.
*من قاعة المحكمة إلى قاعة مجلس الأمن*
الحارث إدريس ليس وافداً جديداً على السياسة ولا طارئاً على الدولة. هو ابن *جامعة الخرطوم – كلية القانون*، حامل لشهادة مزاولة مهنة القانون، ودبلوماسي مخضرم خدم في *وزارة الخارجية السودانية من 1982 إلى 1991*، متنقلاً بين الملفات القنصلية وقضايا السودانيين في الخارج، وهي المدرسة التي تعلم فيها معنى الدولة من أوراق الناس وجوازاتهم وهمومهم.
ثم انتقل إلى لندن، وهناك بنى اسمه الآخر: مستشاراً في القانون الدولي، خبيراً في ملفات حقوق الإنسان وحقوق المرأة وقضايا النزاعات المسلحة، متعاملاً مع المنظمات والمحاكم والمؤسسات التي يأتي اليوم ليحاججها بنفس أدواتها ولغتها.
ثم عاد إلى الدولة سفيراً في فبراير 2020، ومديراً للتخطيط الاستراتيجي بوزارة الخارجية، حتى كلف بالمهمة الأصعب في تاريخ الدبلوماسية السودانية الحديثة: *مندوب السودان الدائم لدى الأمم المتحدة في 23 مايو 2022.*
لم يكن يعلم أنه بعد أقل من عام، سيُلقى على كتفيه وحده عبء الدفاع عن وطنٍ يحترق، وسيُترك ليقاتل في أخطر جبهة: جبهة الشرعية الدولية.
*حربان في وقتٍ واحد.. وحارب في الاثنتين*
حين انفجرت الحرب في أبريل 2023، كانت هناك حربٌ بالرصاص في الخرطوم ودارفور وكردفان، وحربٌ أخرى أخطر منها وأكثر دهاءً في نيويورك وجنيف وواشنطن: *حرب الرواية وحرب المصطلح.*
هناك من أراد عن عمد أن يساوي بين الدولة والمليشيا، بين الجيش الذي يحمي السيادة والمؤسسات، والعصابة التي تحرق القرى وتغتصب وتنهب. وهناك من أراد أن يحول السودان من دولة ذات سيادة وعضو مؤسس في الأمم المتحدة، إلى مجرد *”ملف إنساني”* يُدار من غرف العمليات الخارجية، ويُفتى في مصيره عبر المبعوثين والمنظمات.
هنا ظهر الفرق الحاسم بين الدبلوماسي الموظف الذي يقرأ ما يُكتب له، والدبلوماسي المحارب الذي يكتب ما يجب أن يُقرأ.
الحارث إدريس لم يقرأ البيانات الباهتة. *لقد خاض المعركة كلمة بكلمة.*
وقف أمام مجلس الأمن وقالها بوضوح لا يحتمل التأويل: *هذه ليست حرباً بين جنرالين كما يروج البعض، هذه حرب مليشيا متمردة ضد الدولة والشعب ومؤسساته.* رفض المساواة الأخلاقية والقانونية، وفضح التدخلات الخارجية بالوثائق والأسماء، وطالب مجلس الأمن بتطبيق *ميثاق الأمم المتحدة ومبدأ السيادة وعدم التدخل*، لا بتجاوزه تحت لافتة الإنسانية، في رسائل رسمية موثقة وشهيرة عام 2025 أحرجت كثيراً من الأطراف.
*لماذا دخل قلب السودانيين؟*
قد تختلف مع الحكومة، وقد تختلف مع بعض مواقفها، وهذا حق مشروع في بلد يعيش حرباً معقدة. لكنك لا تستطيع إلا أن تحترم رجلاً يقف وحده أمام العالم، بلا حلفاء ولا دعم إعلامي ضخم، ويقول: *هذا هو السودان، وهذه هي الحقيقة.*
السر ليس في الصوت العالي، بل في *قوة الحجة وهدوء الواثق.*
الدول الأخرى ترسل سفراء يقرأون أوراقاً كتبها غيرهم في العواصم. الحارث إدريس يرسل رسائل يكتبها هو، بلغة القانون الدولي الذي يفهمه خصومه جيداً، ويعرف ثغراته وتناقضاته. *إنه يحاربهم بسلاحهم وفي ملعبهم.*
ولهذا أصبح السوداني البسيط في أم درمان أو بورتسودان أو القضارف أو في خيمة نزوح على الحدود، ينتظر جلسة مجلس الأمن ليرى ماذا سيقول مندوب بلاده. لقد أعاد للسودانيين شعوراً كادوا يفقدونه في زحمة الخذلان: *أن لهم صوتاً لا يُشترى، ولا يُكسر، ولا يتلعثم.*
*القانون هو البندقية الأخرى*
أدرك الحارث إدريس مبكراً حقيقة استراتيجية يجهلها كثير من السياسيين الذين يظنون أن المعركة تنتهي عند حدود الميدان: *الدول لا تنتصر في الميدان فقط، بل تنتصر في المنابر، ومن يخسر معركة القانون، سيخسر الميدان ولو انتصر فيه مؤقتاً.*
هناك حرب البندقية، وهناك *حرب المصطلح، وحرب الوثيقة، وحرب القرار الدولي، وحرب التوصيف القانوني.* ومن يسمح للعالم أن يصف جيشه بالمليشيا، ومليشياه بطرف نزاع، فقد خسر نصف الحرب قبل أن تبدأ.
لقد نجح الرجل ببراعة في نقل المعركة من مربع الاستجداء *”أوقفوا الحرب”* إلى مربع السيادة *”احترموا سيادة السودان ووحدة أراضيه”*. وهذا تحول خطير وكبير في الخطاب الدولي، جعل كثيراً من الدول تعيد حساباتها.
إنه نموذج نادر في زمن الرداءة السياسية والدبلوماسية: *قوي دون صخب، حاد دون إسفاف، وطني دون مزايدة، قانوني دون جمود.*
في زمنٍ كثر فيه من يتسولون الشرعية من استوديوهات الخارج وقاعات المنظمات، خرج رجلٌ واحد من قلب مؤسسة الدولة ليقول للخارج بوضوح: *شرعية السودان لا تُمنح من عندكم، ولا تُستورد من عواصمكم، بل تُمنح من شعبه وحده، من بين خيام النازحين وبيوت الصابرين.*
نسأل الله أن يحفظ الدكتور الحارث إدريس، ويثبت أقدامه، ويسدد رميه القانوني، ويجعل كلمته في قاعة مجلس الأمن *رصاصة حقٍ في وجه الباطل، وصوتاً للسيادة، وسيفاً للكرامة الوطنية، وشاهداً على أن السودان لا يزال قادراً على إنجاب رجال دولة بحجم المرحلة.*







إرسال تعليق