من الشحن إلى التوافق، ومن التشتت إلى سقفٍ واحد
بقلم: د. سعاد فقيري
لم يكن يوم الجمعة 25 سبتمبر 2026م يومًا عاديًا في مسيرة السودانيين في مصر، ولم يكن الاجتماع الذي احتضنه بيت السودان بمصر – 10 شارع محمد عز العرب، المبتديان، السيدة زينب، القاهرة مجرد اجتماع إجرائي لمناقشة نظام أساسي.
كان يومًا لاستعادة معنى الجالية.
كان يومًا اجتمعت فيه القلوب قبل أن تجتمع الأوراق، والتقت فيه الكيانات والجمعيات على طاولة واحدة بعد سنوات من التباعد والاختلاف وتعدد الرؤى.
كان يومًا يمكن أن نطلق عليه، بكل أمل ومسؤولية:
يوم عودة الجالية إلى قلبٍ واحد.
فبعد كل ما صاحب مسيرة الجالية السودانية في مصر من نقاشات واختلافات وشحنات سالبة، جاءت الجمعية العمومية غير العادية لتقول إن الاختلاف لا ينبغي أن يتحول إلى قطيعة، وإن تعدد الكيانات لا يعني بالضرورة تعدد المواقف، وإن السودانيين، مهما اختلفت مواقعهم وانتماءاتهم الاجتماعية والمهنية والجغرافية، يستطيعون أن يلتقوا عندما يكون الوطن والمصلحة العامة فوق كل اعتبار.
من الاختلاف إلى الحوار
كان الهدف الأساسي من اجتماع الجمعة هو مناقشة وإجازة النظام الأساسي للمجلس الأعلى للجالية السودانية بمصر، وهو نظام لا يمثل مجرد مواد قانونية وإدارية، وإنما يشكل الإطار الذي يُفترض أن تنتظم تحته مسيرة العمل الجماعي للجالية.
ولذلك كان حضور الكيانات والجمعيات مهمًا؛ لأن بناء المجلس لا يمكن أن يقوم على صوت واحد، وإنما على مشاركة حقيقية من مكونات المجتمع السوداني في مصر.
وقد دارت المناقشات على مدى أربع ساعات متواصلة، شهدت خلالها القاعة نقاشات عميقة حول العديد من المواد والقضايا التي تمس مستقبل المجلس وطبيعة علاقته بأعضائه وكياناته المختلفة.
نعم، كانت هناك شحنات سالبة.
ونعم، ظهرت نقاط خلاف واختلاف في الرأي.
لكن الأهم أن الحوار لم ينكسر.
فقد اختار المجتمعون طريق النقاش، والمراجعة، والاستماع، ومحاولة إزالة الغموض، بدلاً من أن يتحول الاختلاف إلى خصومة.
وهنا تكمن قيمة ذلك اليوم.
المجلس الأعلى… مظلة جامعة لا ساحة إقصاء
إن فلسفة تأسيس المجلس الأعلى للجالية السودانية بمصر تقوم على أن يكون الإطار الجامع والمرجعية العليا للجالية، وأن يعبر عن مصالحها المشروعة، وأن يعمل على توحيد كلمتها ولم شمل أبنائها وتعزيز التضامن والتكافل بينهم.
وهي فلسفة تكتسب أهمية خاصة في ظل الظروف التي يعيشها السودانيون خارج وطنهم.
فالجالية ليست مجرد تجمع بشري.
إنها مجتمع كامل له احتياجاته وقضاياه وتحدياته.
ومن هنا يأتي التزام المجلس بالعمل على تنمية قدرات أبناء الجالية في المجالات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والأكاديمية، ورعاية شؤونهم، وتوفير الدعم اللازم لهم، والعمل على معالجة الإشكالات التي تواجههم على مختلف المستويات.
كما أن المجلس، وفق ما نوقش في النظام الأساسي، يؤكد أهمية العلاقات الأخوية بين الشعبين السوداني والمصري، والتعاون مع السفارة السودانية في مصر، ومع مختلف الكيانات والأندية والجمعيات، في إطار القوانين واللوائح المنظمة لعمل السودانيين بالخارج، واحترام قوانين الدولة المضيفة، جمهورية مصر العربية.
النظام الأساسي… من الفكرة إلى البناء المؤسسي
جاء النظام الأساسي في عدة أبواب وفصول، بما يضع إطارًا تنظيميًا واضحًا لعمل المجلس.
فبدأ بتحديد اسم اللائحة وتعريف المصطلحات الأساسية، ومنها: المجلس الأعلى، النظام الأساسي، اللائحة الداخلية، الجالية، العضو، الجمعية العمومية، المكتب التنفيذي، الجالية الفرعية والأمانات.
كما حدد مقر المجلس بمدينة القاهرة.
وتناول باب الأهداف والمبادئ الأساسية، وفي مقدمتها خدمة الجالية بكافة مكوناتها، وربط الجالية بالمجتمع والبلد المضيف، بما يعزز التعاون والتكامل ويحفظ مصالح السودانيين.
ثم انتقل النظام إلى العضوية، محددًا شروطها وحقوقها وواجباتها، إضافة إلى الحالات التي يمكن أن تؤدي إلى فقدان العضوية.
الانضباط المؤسسي… لا مكان للفوضى
ومن النقاط المهمة التي ناقشها الاجتماع باب العقوبات، حيث تم تناول درجات التعامل مع المخالفات، بدءًا من:
التنبيه، واللوم، والإنذار، وتجميد العضوية، وصولًا إلى الفصل.
وهي آليات يفترض أن تجعل العمل المؤسسي قائمًا على قواعد واضحة، لا على ردود الأفعال الشخصية.
فالمؤسسة التي تريد الاستمرار تحتاج إلى قواعد يعرفها الجميع، ويحتكم إليها الجميع، ويطبقها الجميع دون استثناء.
الجمعية العمومية… صاحبة الاختصاص
تناول النظام كذلك الجمعية العمومية واختصاصاتها، وآليات انعقادها وإجراءات اجتماعاتها واتخاذ قراراتها.
كما ناقش قاعدة التصويت، بحيث تتخذ القرارات وفق النسب المحددة في النظام، ومن بينها الأغلبية أو نسبة الثلثين في المسائل التي تتطلب ذلك.
وهذا أمر جوهري؛ لأن قوة المجلس لا تأتي من الأشخاص وحدهم، وإنما من قوة مؤسساته وقواعده وإرادة جمعيته العمومية.
كما تناول النظام دورة رئيس المجلس واختصاصاته، واختصاصات المجلس بصورة عامة.
تمثيل المرأة والشباب… ضرورة وليست ترفًا
ومن النقاط الإيجابية التي تستحق الإشارة إليها تضمين تمثيل المرأة ضمن أمانات وهياكل المجلس، إلى جانب وجود أمانة للشباب وأمانة للمرأة والطفل.
وهذا يتوافق مع حقيقة المجتمع السوداني في مصر، حيث تؤدي المرأة والشباب أدوارًا أساسية في حياة الجالية، وفي رعاية الأسر، والتعليم، والعمل، والمبادرات الاجتماعية، وخدمة المجتمع.
الجالية التي تريد بناء المستقبل لا يمكن أن تجعل الشباب والنساء على هامش مؤسساتها.
المكتب التنفيذي… الذراع التي تنفذ
تناول النظام كذلك المكتب التنفيذي، وتكوينه واختصاصاته، بحيث يتكون من عدد من الأعضاء وفق الهيكل المحدد، ومن بينهم رئيس المكتب، والأمين العام، والأمين المالي، وأمين الشؤون القانونية، وأمين الإعلام، وأمين المرأة والطفل، وأمين الشباب، وأمين المحافظات، إلى جانب الاختصاصات الأخرى التي حددها النظام.
كما ناقش الاجتماع مسؤوليات المكتب التنفيذي، ومهام أعضائه، وآليات انعقاده، والضوابط التي تحكم أداءه.
وكان الجانب المالي حاضرًا بصورة واضحة، خصوصًا فيما يتعلق بكيفية استلام الأموال وحفظها والتصرف فيها، وضرورة أن تتم الإجراءات وفق مستندات رسمية وبالطريقة التي يحددها النظام واللائحة.
وهذه نقطة بالغة الأهمية؛ لأن الشفافية المالية ليست تفصيلًا إداريًا، وإنما هي أساس الثقة في أي مؤسسة أهلية أو مجتمعية.
المال العام للجالية… أمانة
إن الجالية السودانية في مصر تحتاج إلى مؤسسة تقوم على الوضوح المالي الكامل.
فكل مال يدخل إلى المجلس يجب أن يكون معلوم المصدر، وكل مال يخرج منه يجب أن يكون موثقًا، وكل ميزانية يجب أن تخضع للمراجعة، وكل تقرير مالي يجب أن يكون قابلًا للمساءلة أمام الجهات المختصة والجمعية العمومية.
وقد تناول النظام الجانب المالي والمراجعة والأحكام الخاصة به، بما يعزز مبدأ:
لا إدارة بلا شفافية، ولا مؤسسة بلا مساءلة.
احترام قانون البلد المضيف
ومن المبادئ التي أكد عليها النظام احترام قوانين ولوائح جمهورية مصر العربية باعتبارها البلد المضيف.
وهذا أمر طبيعي وأساسي.
فالجالية السودانية جزء من المجتمع المقيم في مصر، وتحرص في الوقت ذاته على الحفاظ على هويتها وعلاقاتها ومؤسساتها، في إطار القانون واحترام الدولة المضيفة.
كما أن العلاقة بين الجالية والسفارة السودانية ينبغي أن تقوم على التعاون والتنسيق والاحترام المتبادل، بحيث يؤدي كل طرف دوره بصورة واضحة، وبما يخدم المواطن السوداني ويحافظ على المصالح المشتركة بين السودان ومصر.
عبدالرحيم حاج الأمين… عندما يكون الاسم عنوانًا للدور
وفي خضم ذلك النقاش الطويل، يبرز اسم يستحق الإشادة والتقدير:
سعادة الدكتور عبدالرحيم حاج الأمين، رئيس الأمانة القانونية بالمجلس الأعلى للجالية السودانية بمصر.
لقد تولى د. عبدالرحيم إدارة منصة الحوار والنقاش، وهي مهمة لم تكن سهلة.
فإدارة اجتماع يحتوي على اختلافات في وجهات النظر، ومسائل شائكة، وتراكمات سابقة، تحتاج إلى قدر كبير من الهدوء والصبر والقدرة على الاستماع.
وقد كان التحدي الحقيقي هو ألا تتحول الاختلافات إلى مواجهة، وألا تتحول الأسئلة إلى اتهامات، وألا تتحول المناقشة القانونية إلى معركة شخصية.
وهنا ظهر دور رئيس الأمانة القانونية.
فقد عمل على إحكام إدارة الحوار، وإتاحة الفرصة للنقاش، وتوضيح المسائل التي أثارت اللبس، ومحاولة الوصول إلى صياغات أكثر وضوحًا، حتى انتهى الاجتماع إلى نتيجة توافقية.
وبحق، فقد أخذ الرجل من اسمه نصيبًا:
عبدالرحيم… في إدارة نقاش احتاج إلى الرحمة بالحوار، والحكمة في الموقف، والصبر على الاختلاف.
وليس المقصود بالرحمة هنا المجاملة أو التنازل عن القانون، وإنما القدرة على إدارة الاختلاف بروح تحفظ للناس كرامتهم، وللمؤسسة هيبتها، وللحوار هدفه.
تحية لرئيس المجلس والأمين العام وكل الطاقم
كما لا يمكن أن يمر هذا اليوم دون الإشارة إلى حضور ودور رئيس المجلس الأستاذ أحمد عوض النور، والأمين العام الأستاذ محمد سعدابي، وطاقم المجلس بكامله، الذين شاركوا في هذا الاستحقاق المؤسسي.
فنجاح أي مؤسسة لا يصنعه فرد واحد، وإنما تصنعه منظومة تعمل معًا.
والأهم من ذلك أن يتحول هذا التوافق الذي شهدته القاعة إلى ثقافة مستمرة في إدارة المجلس.
أربع ساعات… لكنها اختصرت سنوات
أربع ساعات من الحوار قد تبدو زمنًا طويلًا لاجتماع واحد.
لكن عندما ننظر إلى حجم القضايا المطروحة، وإلى التباينات التي سبقت الاجتماع، ندرك أن تلك الساعات كانت استثمارًا ضروريًا في بناء المؤسسة.
فالمؤسسات القوية لا تخشى الحوار.
ولا تخشى الأسئلة.
ولا تخشى المراجعة.
بل إن المؤسسة التي تريد الاستمرار هي التي تفتح أبوابها للنقد والنقاش، ثم تحوّل الاختلاف إلى نصوص واضحة وإجراءات قابلة للتطبيق.
من اليوم تبدأ المرحلة الأصعب
إجازة النظام الأساسي ليست نهاية الطريق.
بل هي بداية الطريق الحقيقي.
فالاختبار الآن هو: هل تستطيع مكونات الجالية تحويل هذا التوافق إلى عمل؟
هل تستطيع تجاوز الماضي؟
هل تستطيع احترام النظام الذي شاركت في مناقشته؟
هل تستطيع أن تجعل المجلس مظلة للجميع، لا منصة لفريق ضد فريق؟
هل تستطيع أن تجعل الاختلاف داخل المؤسسات لا خارجها؟
هذه هي الأسئلة التي ستجيب عنها الأيام المقبلة.
لا نريد مجلسًا فوق الجالية… بل مجلسًا من الجالية ولأجل الجالية
المجلس الأعلى للجالية السودانية بمصر يجب أن يكون مؤسسة تستمد قوتها من الجمعية العمومية، ومن الكيانات والجمعيات والأفراد الذين يمثلون المجتمع السوداني.
ولا ينبغي أن يكون المجلس مكانًا للصراع على المواقع.
بل مكانًا للعمل.
ولا ينبغي أن تكون العضوية فيه امتيازًا شخصيًا.
بل مسؤولية وأمانة.
ولا ينبغي أن تكون الأمانات مسميات بروتوكولية.
بل أدوات لخدمة الناس.
فالطالب السوداني له قضية.
والمرأة السودانية لها قضية.
والشاب السوداني له قضية.
والأسرة السودانية لها قضية.
والعامل ورجل الأعمال والأكاديمي والطبيب والمهندس والمعلم والمغترب وكل سوداني مقيم في مصر له احتياجات وتطلعات.
وهنا تقاس قيمة المجلس: بقدرته على الوصول إلى الناس وحل قضاياهم، لا بكثرة اجتماعاته أو بياناته.
الجمعة التي انتصر فيها الحوار
ربما كانت أجمل رسالة خرجت بها الجمعية العمومية غير العادية في ذلك اليوم هي أن السودانيين يستطيعون أن يختلفوا دون أن يتفرقوا.
لقد دخل البعض إلى القاعة وفي ذهنه تحفظات.
ودخل آخرون وهم يحملون أسئلة.
وجاءت كيانات وجمعيات لكل منها رؤيته.
لكن الجميع جلس تحت سقف واحد.
وتحدث الجميع.
واختلف الجميع.
ثم انتهى الجميع إلى إجازة النظام الأساسي للمجلس الأعلى للجالية السودانية بمصر.
وهنا يجب أن نتوقف.
فالنجاح ليس أن يخرج الجميع متطابقين في الرأي.
النجاح الحقيقي أن يخرج الجميع متفقين على قواعد العمل المشترك.
كلمة أخيرة
إن ما حدث في بيت السودان يوم الجمعة 25 سبتمبر 2026م يستحق أن يُنظر إليه باعتباره محطة جديدة في مسيرة الجالية السودانية بمصر.
ليس لأنه ألغى الاختلاف، وإنما لأنه أثبت أن الاختلاف يمكن أن يُدار.
وليس لأنه أنهى كل المشكلات، وإنما لأنه وضع إطارًا مؤسسيًا يمكن أن تُناقش داخله المشكلات.
وليس لأنه جمع كل السودانيين على رأي واحد، وإنما لأنه جمعهم تحت سقف واحد.
وهذا في حد ذاته خطوة مهمة.
فلنطوِ صفحة المرارات.
ولنفتح صفحة العمل.
ولنجعل من المجلس الأعلى للجالية السودانية بمصر عنوانًا للتعاون، والتكافل، وخدمة الإنسان السوداني، وتعزيز العلاقات الأخوية بين الشعبين السوداني والمصري.
ولنجعل من يوم 25 سبتمبر 2026م ذكرى تقول للأجيال القادمة:
اختلفنا… نعم.
تناقشنا… نعم.
احتدّ النقاش أحيانًا… نعم.
لكننا في النهاية اخترنا أن نجلس معًا، وأن نتحاور، وأن نبني مؤسسة تجمعنا ولا تفرقنا.
وبعد الله، كان لمن أدار منصة الحوار بحكمة وصبر نصيب كبير من نجاح تلك اللحظة.
سعادة الدكتور عبدالرحيم حاج الأمين… رئيس الأمانة القانونية بالمجلس الأعلى للجالية السودانية بمصر؛
لقد كان اسمك في ذلك اليوم عنوانًا لدورك:
عبدالرحيم في الحوار… حكيمًا في النقاش… وأمينًا على القانون.
فلتكن هذه الجمعة بداية عهد جديد:
جالية واحدة… مجلس واحد… قلب واحد… ووطن فوق كل اعتبار.







إرسال تعليق