العدل والمساواة.. حين تتقدم الحركة من خندق الحرب إلى خندق البناء

  • بتاريخ : 26 سبتمبر، 2026 - 2:24 م
  • الزيارات : 4
  • بقلم / ياسر أبوريدة

    في أم القرى هناك لقاءات تمر كخبر عابر وهناك لقاءات تحمل في داخلها إشارات أبعد من لحظة الاجتماع وهذا ما يجعل لقاء المدير التنفيذي لمحلية أم القرى الأستاذ عبدالمحسن خضر عبدالمحسن بوفد حركة العدل والمساواة برئاسة أمين الإقليم الأستاذ سفيان الباشا ومعه مسؤول الولاية الأستاذ ياسر الريح ونائب الأمين السياسي الأستاذ يس آدم جديراً بالقراءة بعيداً عن لغة المجاملات فالحركة لم تأت لتبحث عن مساحة في المشهد السياسي فقط وإنما جاءت برسالة واضحة عنوانها المجتمع والوطن والعودة والبناء وهي رسالة تحتاجها أم القرى في هذه المرحلة أكثر من أي وقت مضى

    حركة العدل والمساواة أعلنت موقفاً واضحاً من ضبط الخطاب السياسي ونبذ العنصرية ورتق النسيج الاجتماعي وأكدت أن أبوابها مفتوحة لكل أبناء الوطن وأن الحقوق متساوية وأن مشروعها يتجه نحو العمل الوطني القومي دون إقصاء وهذه ليست عبارات صغيرة في بلد أنهكته الحرب وأتعبته محاولات تقسيم الناس إلى خانات متقابلة فالأهم أن الحركة تتحدث عن الانتقال من مرحلة الحرب إلى مرحلة البناء ومن مواجهة آثار الحرب إلى معالجة آثارها ومن العودة إلى الديار إلى صناعة شروط الاستقرار وهي خطوة تستحق أن تجد من يسمعها بعقل مفتوح لأن السودان اليوم لا يحتاج إلى قوى تتحدث فقط عن الأمس وإنما يحتاج إلى قوى تستطيع أن تضع يدها في يد المجتمع لبناء الغد

    وحين تطرح الحركة مبادرة «راجعين» وتعلن اهتمامها بالعودة الطوعية فإنها تقترب من واحدة من أهم قضايا المرحلة فالعودة ليست مجرد رجوع الناس إلى قراهم وإنما إعادة الحياة إلى تلك القرى وإعادة الخدمات وفتح أبواب الرزق وإسناد المواطن حتى يستطيع أن يبدأ من جديد وحين تتحدث الحركة عن الزراعة ومشروع الرهد فإنها تقترب أكثر من نبض إنسان أم القرى لأن الرهد ليس عنواناً زراعياً فقط بل اقتصاد وبيوت وأسر ومستقبل ومصدر دخل لعدد كبير من المواطنين ولذلك فإن أي مساهمة حقيقية في إعادة المشروع إلى سيرته الأولى ستكون مساهمة مباشرة في استقرار إنسان المحلية

    وهنا بالضبط ينبغي أن ننظر إلى حركة العدل والمساواة باعتبارها قوة يمكن أن تكون شريكاً في البناء لا مجرد مكون سياسي آخر في المشهد فالمحلية تحتاج إلى كل قوة وطنية تضع إمكاناتها في خدمة المواطن وتحتاج إلى كل من يستطيع أن يساهم في الأمن والاستقرار والزراعة والخدمات والعودة والإعمار وقد كان حديث المدير التنفيذي عن أن أم القرى تمثل سوداناً مصغراً حديثاً في مكانه لأن قوة هذه المحلية في تنوعها وفي قدرتها على جمع الناس تحت مظلة الوطن الواحد دون تمييز إثني أو عرقي

    وهنا يمكن لحركة العدل والمساواة أن تقدم نموذجاً مختلفاً إذا ترجمت خطابها الوطني إلى عمل ملموس داخل المجتمع فالناس لا يريدون من الحركة أن تكون حاضرة في المناسبات فقط وإنما يريدونها حاضرة في قضاياهم يريدونها مع المزارع في الحقل ومع المواطن في القرية ومع العائد في طريق العودة ومع المجتمع في معركة الخدمات ومع مشروع الرهد في معركة الإنتاج وهذا هو الطريق الأقصر لكسب ثقة الناس أن يكون الفعل سابقاً للكلام وأن تكون المسؤولية المجتمعية جزءاً أصيلاً من العمل السياسي وأن يعرف الجميع أن المرحلة المقبلة ليست مرحلة البحث عن مكاسب صغيرة وإنما مرحلة بناء وطن خرج من حرب قاسية ويحتاج إلى كل أبنائه

    ولذلك فإن الرسالة التي خرجت من لقاء أم القرى تستحق الدعم من زاوية واضحة وهي أن الوطن يتسع للجميع وأن الاختلاف السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة اجتماعية وأن السلاح الذي حمله الرجال في زمن الحرب يجب أن يفسح الطريق الآن للعمل والإعمار والإنتاج فأم القرى تحتاج إلى حركة العدل والمساواة كما تحتاج إلى كل القوى الوطنية التي تستطيع أن تضيف شيئاً حقيقياً لإنسانها وإذا كانت الحركة قد أعلنت أنها مع القوات المسلحة وأنها جزء من معركة الوطن وأن لها دوراً في الحرب فإن المرحلة الجديدة تفتح أمامها ميداناً آخر لا يقل أهمية عن ميدان القتال إنه ميدان البناء

    وفي ميدان البناء لا توجد قبيلة منتصرة وقبيلة مهزومة ولا حزب أعلى من حزب ولا منطقة فوق منطقة هناك مواطن يريد أن يعيش آمناً ومنتجاً وكريماً وهناك وطن يحتاج إلى أبنائه جميعاً والعدل والمساواة في نهاية المطاف ليست مجرد اسم حركة وإنما قيمة يحتاج إليها السودان كله عدل في الحقوق ومساواة في المواطنة ووحدة في الهدف وعمل من أجل الإنسان

    ومن هنا فإن حضور حركة العدل والمساواة في أم القرى إذا اقترن بالعمل المجتمعي والإعمار والتنمية ورتق النسيج الاجتماعي يمكن أن يتحول من مجرد حضور سياسي إلى شراكة وطنية حقيقية وهذه هي الرسالة التي نحتاجها الآن أن تتسع الدائرة وأن تتراجع الاصطفافات وأن يتقدم الوطن فأم القرى لا تحتاج إلى من يرفع صوته أكثر بل تحتاج إلى من يضع يده في يد الناس ويقول لهم بوضوح نحن معكم في الحرب ونحن معكم في السلام ونحن معكم في الزراعة ونحن معكم في الإعمار ونحن معكم حتى تستعيد أم القرى عافيتها ويستعيد السودان عافيته