إذا كانت التأشيرة ثمناً للهدنة.. فلا حاجة لنا بمنبركم
بقلم / م. م. الإمام عبداللطيف الإمام
ما جرى في نيويورك ليس تأخيراً، بل سابقة خطيرة وانتهاك صريح للقانون الدولي.
رئيس دولة عضو في الأمم المتحدة، يمنع من دخول مقر المنظمة لإلقاء كلمة بلاده. والسبب المعلن خلف الكواليس : التوقيع على هدنة 90 يوماً اقترحها مستشار البيت الأبيض *مسعد بولس*.
*هذه ليس دبلوماسية. هذا ابتزاز سياسي مكشوف بغطاء تأشيرة.*
*أولاً: أمريكا لا تملك الحق أصلاً*
يجب أن يفهم شعبنا أن أمريكا ليست صاحبة المنظمة، هي مجرد دولة مضيفة.
*اتفاقية المقر بين الأمم المتحدة والولايات المتحدة لسنة 1947 واضحة وصريحة:*
*المادة 11:* تتعهد الحكومة الأمريكية بعدم وضع أي عائق أمام دخول وخروج ممثلي الدول الأعضاء.
*المادة 12:* تمنح التأشيرات بدون تأخير وبدون رسوم.
*المادة 13:* في حال وجود خلاف، لا تتصرف أمريكا منفردة، بل يذهب الأمر للتحكيم.
*فبأي حق تمنع أمريكا رئيس السودان؟ وبأي قانون تحول حق العضوية إلى ورقة مساومة؟*
الأمم المتحدة نفسها أدانت ذلك. الأمين العام *أنطونيو غوتيريش* عبر عن *”قلق بالغ”* وبدأ اتصالات فورية مع واشنطن، لأن ما حدث يهدد المنظمة كلها.
ولو قبلنا اليوم أن يمنع البرهان، فغداً ستمنع أي دولة لا ترضى عنها واشنطن. *اليوم السودان، وغداً كل من يقول لا.*
والتاريخ شاهد: حين منعت أمريكا *ياسر عرفات* من دخول نيويورك عام 1988، اضطرت الجمعية العامة لنقل جلستها إلى *جنيف* احتراماً لسيادتها. *فالمنظمة أكبر من الدولة المضيفة.*
*ثانياً: سياسة الابتزاز لن تتوقف إلا بالندية*
*لماذا تفعل أمريكا هذا مع السودان تحديداً؟ لأنها تعلمت أن السودان يتنازل.*
في كل مرة تربط واشنطن ملفاً بملف، نهرول للتنازل. تربط قائمة الإرهاب بالتطبيع فنتنازل. تربط المساعدات بالمسار السياسي فنتنازل. والآن تربط *التأشيرة بالهدنة*، فإن تنازلنا هذه المرة، فاعلموا أن المرة القادمة سيُربط دخولنا للأمم المتحدة برفع العقوبات عن ميليشيا أو بتسليم ثرواتنا.
*الاحترام لا يُطلب، يُفرض. والسيادة لا تُستجدى، تُمارس.*
*ثالثاً: ماذا يعني التعامل بالمثل؟*
آن الأوان أن يتحدث السودان بلغة يفهمها الجميع: *لغة المعاملة بالمثل.*
1. *دبلوماسياً:* إذا كان رئيس السودان لا يحصل على تأشيرة دخول لمقر أممي في نيويورك، فلماذا يحصل الدبلوماسيون والمسؤولون الأمريكيون على تأشيرات دخول وتسهيلات للعمل من بورتسودان؟ *المثل بالمثل.*
2. *قانونياً:* على السودان أن يطلب رسمياً تفعيل *آلية التحكيم في المادة 21 من اتفاقية المقر*، وتقديم شكوى رسمية للجمعية العامة بأن الدولة المضيفة خرقت التزامها. هذا حقنا وليس منة.
3. *سياسياً:* أن نعلن للعالم بوضوح: *نحن مع الهدنة الإنسانية إذا كانت تحفظ كرامة شعبنا وجيشنا، لكننا لن نوقع عليها تحت تهديد التأشيرة.* الهدنة تناقش في جدة والمنامة، لا في شباك الجوازات بمطار جون كينيدي.
4. *رمزياً:* إذا لم تضمن الأمم المتحدة وصول وفدنا، فليُلق البرهان كلمته من *بورتسودان عبر الفيديو*، وليقل للعالم: *”هذه هي أمريكا التي تتحدث عن النظام الدولي، تمنع رئيس دولة من دخول المنظمة الدولية”*. الفضيحة حينها ستكون لأمريكا، لا لنا.
*الخلاصة*
*المسألة ليست تأشيرة البرهان، المسألة هي كرامة السودان.*
أمريكا اليوم لا تعاقب شخصاً، هي تعاقب دولة وشعباً. ولو سكتنا اليوم بحجة الظروف والحرب، فسنكون قد وقعنا على صك يجعل كل حقوقنا المستقبلية مرهونة برضا موظف في الخارجية الأمريكية.
*نقولها بوضوح: لا يحق لأمريكا أن تمنع رئيس السودان من دخول الأمم المتحدة، ولا يحق لها أن تساوم على حقنا في الكلام.*
*ومن يملك قراره، يملك تأشيرته، ومن يفرط في قراره، سيظل ينتظر التأشيرة في صالة المغادرين إلى الأبد.*







إرسال تعليق