قهوتي|| شذى عبد الله طه
“قهوتي أحب شربها باردة”
معلش عارفة إنك مشغول جملة نسمعها كثيرًا ونرد عليها بصورة عابرة ولا نفكر كثيرًا فيما وراءها لكن ربما الشخص الذي قالها لم يكن يريد الاعتذار أصلًا ربما كان يريد أن يحكي شيئًا أو يطلب مساعدة أو يبحث عن شخص يجلس معه قليلًا ثم تراجع في اللحظة الأخيرة لأنه تذكر أن للآخرين حياتهم وانشغالاتهم ومشكلاتهم وربما تذكر موقفًا قديمًا جعله يشعر أن احتياجه قد يكون ثقيلًا على من حوله فاختار أن يصمت ويدبر أمره وحده
وهكذا يعيش بعض الناس سنوات طويلة وهم يتعلمون كيف يخفون احتياجاتهم أكثر مما يتعلمون كيف يطلبونها يمرض أحدهم فيقول مجرد إرهاق ويمر بضائقة مالية فيقول الأمور ماشية ويمر بأيام صعبة فيضحك مع الآخرين وكأن شيئًا لم يحدث وتسأله أمه أو صديقه أو زوجته عن حاله فيجيب أنا بخير لأنه لا يريد أن يفتح حديثًا يعرف أنه قد ينتهي بشيء لا يستطيع شرحه
المشكلة أن الإنسان لا يصبح مكتفيًا دائمًا لأنه قوي أحيانًا يصبح كذلك لأنه تعب من الطلب تعب من أن يشرح لماذا يحتاج وتعب من أن يشعر أن حاجته ستتحول في يوم ما إلى ورقة تستخدم ضده وربما كانت هذه هي البداية الحقيقية للصمت
هناك من طلب مساعدة مرة ثم ظل يسمع بها بعد ذلك كلما حدث خلاف وهناك من حكى سرًا فوجد نفسه يسمعه من شخص آخر وهناك من احتاج إلى المال فوجد أن المساعدة أصبحت دينًا لا ينتهي وهناك من بكى أمام شخص يثق به فقيل له إنك حساس أكثر من اللازم ومنذ تلك اللحظة صار يبتلع دموعه قبل أن يراها أحد
لهذا لا تستغرب عندما تجد شخصًا لا يطلب شيئًا حتى في أشد أوقاته حاجة ولا تعتبر ذلك دائمًا دليلًا على أنه بخير فقد يكون فقط لا يعرف كيف يطلب وقد يكون تعلم منذ وقت مبكر أن الاعتماد على النفس أكثر أمانًا من الاتكاء على الآخرين
وأحيانًا لا يقول الإنسان أنا محتاجك بطريقة واضحة قد يتصل بك من غير سبب مقنع وقد يطيل الحديث في موضوع عادي وقد يرسل رسالة في وقت متأخر ويسألك إن كنت مستيقظًا ثم يقول لا شيء فقط كنت أسأل وقد يكون كل ما في الأمر أنه كان يريد أن يشعر بأن هناك شخصًا يمكنه الوصول إليه دون أن يضطر إلى تقديم مبررات لوجوده
نحن نطلب من الآخرين الصراحة كثيرًا لكننا لا نسأل أنفسنا هل نحن فعلًا أشخاص آمنون عندما يكون الآخر صريحًا معنا هل نحفظ ما يقوله لنا عندما نختلف معه وهل نستطيع أن نساعد دون أن نذكره بعد فترة بأننا وقفنا معه وهل نعرف كيف نستقبل ضعف إنسان دون أن نشعره بأنه أصبح أقل قيمة في أعيننا
المساعدة الحقيقية لا تجعل الإنسان مدينًا لك ولا تجعله أصغر منك ولا تمنحك حقًا في أن تتدخل في حياته بعد ذلك فإذا استطعت أن تساعد فساعد بما تستطيع وإذا لم تستطع فليكن اعتذارك واضحًا ومحترمًا فالرفض الصريح أرحم من مساعدة تحمل معها منًا طويلًا
وأظن أننا نخطئ كثيرًا عندما نمدح شخصًا لأنه لا يحتاج أحدًا ونقول عنه إنه قوي ويتحمل كل شيء ونحن لا نعرف كم مرة كان يحتاج إلى أن يقول تعبت ثم ابتلع الكلمة وكم مرة كان يريد أن يطلب شيئًا ثم أقنع نفسه بأنه يستطيع تدبيره وكم مرة عاد إلى بيته وهو يتمنى لو وجد شخصًا واحدًا فقط يستطيع أن يقول أمامه أنا لا أستطيع اليوم
الأم التي تقوم بكل شيء ثم تنام وهي مرهقة ليست آلة والأب الذي يخرج للعمل مهما كان تعبه ليس بلا مشاعر والصديق الذي يختفي فجأة قد لا يكون قد تغير والمرأة التي تبدو هادئة طوال الوقت قد تكون تحمل فوق طاقتها والشخص الذي يضحك كثيرًا ليس بالضرورة سعيدًا وربما أكثر ما يحتاجه هو أن يجد من يسأله مرة أخرى بعد أن يقول أنا بخير
لا نحتاج أن نفتش في حياة بعضنا ولا أن نحاول إنقاذ كل شخص نعرفه لكن يمكننا أن نكون أكثر انتباهًا وأقل قسوة يمكننا أن نسأل عن الشخص الذي اعتدنا وجوده ثم غاب قليلًا وأن نترك له مساحة للحديث من غير تحقيق وأن نساعد من نستطيع دون أن نطالبه بثمن نفسي مقابل ما قدمناه
فبعض الناس لا يخافون من الحاجة نفسها بقدر ما يخافون مما قد يحدث لهم بعد أن يعترفوا بها يخافون أن تتغير صورتهم في عين من يحبون أو أن يصبحوا عبئًا أو أن يسمعوا في لحظة غضب كلامًا قاسيًا عن أشياء قالوها في لحظة ضعف ولذلك يفضلون أن يتعبوا وحدهم
وربما نحن لا نعرف قيمة الإنسان الذي يشعر بالأمان معنا إلا عندما نفهم أن الأمان ليس أن يجد عندك حلًا لكل مشكلة وإنما أن يستطيع أن يأتيك وهو في أسوأ حالاته دون أن يشعر بالخجل وأن يقول أنا محتاج دون أن يسبقها بمعلش وأن يطلب منك شيئًا دون أن يخاف أن يصبح هذا الطلب قصة تروى عليه في أول خلاف
لذلك إذا كان في حياتك شخص اعتاد أن يقول لا أحتاج شيئًا فلا تصدقه دائمًا ربما هو فقط لا يريد أن يثقل عليك وربما لم يتعلم بعد أن هناك من يمكنه أن يسمعه دون أن يحاسبه وربما كل ما يحتاجه ليس شيئًا تستطيع أن تشتريه ولا مشكلة تستطيع أن تحلها وإنما إحساس بسيط بأن يده إذا امتدت نحوك لن تضطر إلى الاعتذار عنها.











إرسال تعليق