«وعيٌ يبني وطناً… ومواطنٌ يصنع دولة»
وثيقة وطنية مقترحة لإعادة بناء الإنسان السوداني وتعزيز المواطنة والسلام والاستقرار والتنمية
إعداد: د. سعاد فقيري
أولاً: المنطلق الوطني
مرّ السودان خلال العقود الماضية بأزمات سياسية واقتصادية واجتماعية متراكمة، ثم جاءت الحرب لتضاعف آثارها وتضرب في عمق المجتمع والدولة.
ولم تقتصر خسائر الحرب على الأرواح والممتلكات والبنية التحتية، بل امتدت إلى الثقة المجتمعية، والانتماء الوطني، والعلاقات بين مكونات المجتمع، ومنظومة القيم، والإحساس بالأمان، والثقة في المؤسسات.
ومن هنا فإن إعادة بناء السودان لا يمكن أن تكون مشروعاً عمرانياً فقط.
فكما نعيد بناء المدارس والمستشفيات والطرق والمصانع، علينا أن نعيد بناء:
الإنسان، والوعي، والقيم، والثقة، وثقافة المواطنة.
وعليه، يقترح هذا المشروع إطلاق برنامج قومي طويل المدى تحت عنوان:
«وعيٌ يبني وطناً… ومواطنٌ يصنع دولة»
ليكون أحد المكونات الأساسية لمشروع إعادة بناء السودان بعد الحرب.
ثانياً: فلسفة المشروع
يقوم المشروع على قاعدة أساسية:
لا يمكن بناء دولة حديثة بمجتمع لم يستعد وعيه، ولا يمكن بناء مجتمع مستقر دون دولة عادلة وقانون يحمي الجميع.
لذلك فإن المشروع يعمل في اتجاهين متلازمين:
بناء الإنسان
من خلال التعليم والتوعية والثقافة والإعلام والأسرة والشباب والمرأة.
وبناء الدولة
من خلال سيادة القانون، والمؤسسات، والمساءلة، والكفاءة، والعدالة، والمواطنة المتساوية.
فالإنسان والدولة وجهان لمشروع واحد.
ثالثاً: الرؤية
مجتمع سوداني واعٍ، متماسك، منتج، يحترم التنوع وسيادة القانون، ويؤمن بالمواطنة المتساوية، وقادر على المشاركة الفاعلة في بناء دولة حديثة مستقرة وعادلة.
رابعاً: الرسالة
إطلاق مشروع وطني شامل لإعادة بناء الوعي السوداني، وترسيخ قيم المواطنة والسلام والتعايش والعمل والإنتاج والمسؤولية، وإعادة الثقة بين المواطن والدولة، وتحصين المجتمع ضد خطاب الكراهية والتطرف والشائعات والتفكك، وإعداد أجيال قادرة على قيادة السودان نحو الاستقرار والتنمية.
خامساً: الأهداف الاستراتيجية
يسعى المشروع إلى تحقيق الأهداف الآتية:
1. إعادة بناء الوعي الوطني
ترسيخ مفهوم السودان وطناً جامعاً لكل مواطنيه.
2. ترسيخ المواطنة المتساوية
رفض التمييز على أساس الجهة أو القبيلة أو اللون أو النوع أو الانتماء السياسي.
3. تعزيز ثقافة الدولة
إعادة تعريف العلاقة بين المواطن والمؤسسات العامة.
4. نشر ثقافة سيادة القانون
تحويل احترام القانون إلى سلوك اجتماعي يومي.
5. مكافحة خطاب الكراهية
مواجهة الخطاب الذي يحرض على العنف أو التمييز أو الانتقام.
6. إعادة بناء الثقة المجتمعية
إصلاح العلاقات بين مكونات المجتمع المتضررة من الحرب.
7. تمكين الشباب
تحويل الشباب من طاقة معطلة إلى قوة إنتاج وبناء.
8. تعزيز دور المرأة
ضمان مشاركتها في التنمية وصناعة القرار وإعادة بناء المجتمع.
9. إصلاح الثقافة التعليمية
إدخال التربية الوطنية والمدنية والتفكير النقدي ضمن العملية التعليمية.
10. بناء وعي إعلامي ورقمي
رفع قدرة المواطنين على التحقق من المعلومات ومواجهة التضليل والشائعات.
11. ترسيخ ثقافة العمل والإنتاج
الانتقال من ثقافة انتظار الوظيفة إلى ثقافة المبادرة والإنتاج.
12. حماية الأسرة
إعادة بناء الأسرة باعتبارها المؤسسة الأولى لصناعة الإنسان.
سادساً: المحاور الرئيسية للمشروع
المحور الأول: التربية والمواطنة
إعادة النظر في المناهج التعليمية لتشمل:
التربية الوطنية.
الحقوق والواجبات.
الدستور والقانون.
احترام التنوع.
إدارة الاختلاف.
حل النزاعات سلمياً.
التفكير النقدي.
مكافحة خطاب الكراهية.
المحافظة على المال العام.
البيئة والتنمية المستدامة.
الهدف:
إعداد مواطن سوداني يعرف حقوقه وواجباته ويؤمن بالدولة والقانون.
المحور الثاني: الأسرة وإعادة بناء القيم
إطلاق برنامج قومي بعنوان:
«أسرة سودانية متماسكة»
ويتضمن:
برامج التربية الإيجابية.
مواجهة العنف الأسري.
حماية الأطفال.
التوعية بحقوق المرأة.
تعزيز الحوار داخل الأسرة.
مواجهة آثار الحرب النفسية والاجتماعية.
دعم الأسر المتضررة والنازحة والعائدة.
فالأسرة هي نقطة البداية لأي إصلاح اجتماعي.
المحور الثالث: الشباب
إطلاق:
«الشباب شركاء في بناء السودان»
من خلال:
التدريب المهني.
ريادة الأعمال.
التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
الزراعة الحديثة.
الصناعة.
المشروعات الصغيرة.
المبادرات المجتمعية.
العمل التطوعي.
المشاركة في الإدارة المحلية.
ويجب أن يصبح الشاب السوداني شريكاً في القرار والإنتاج، لا مجرد متلقٍ للوعود.
المحور الرابع: المرأة
إطلاق برنامج:
«المرأة شريك أصيل في بناء الدولة»
ويركز على:
المشاركة السياسية.
المشاركة الاقتصادية.
التدريب والتأهيل.
ريادة الأعمال.
التعليم.
حماية الأسرة.
المشاركة في السلام والمصالحة المجتمعية.
دعم المبادرات النسائية الوطنية.
المحور الخامس: الإعلام الوطني
إنشاء:
البرنامج الوطني للإعلام المسؤول
بالتعاون مع المؤسسات الإعلامية والمهنية.
ويعمل على:
مكافحة الأخبار الكاذبة.
التحقق من المعلومات.
مواجهة خطاب الكراهية.
تدريب الصحفيين.
تعزيز المهنية.
نشر ثقافة الحوار.
تقديم محتوى توعوي للأطفال والشباب.
الرسالة:
الإعلام ليس مجرد ناقل للأحداث؛ الإعلام شريك في تشكيل الوعي.
المحور السادس: مكافحة الشائعات والتضليل الرقمي
إنشاء:
المرصد السوداني للوعي الرقمي
يعمل على:
رصد الشائعات.
التحقق من المعلومات.
إصدار التنبيهات.
نشر المعلومات الصحيحة.
تدريب الشباب على السلامة الرقمية.
التوعية بخطورة إعادة نشر المعلومات غير الموثوقة.
مع الالتزام الكامل بحرية التعبير وعدم استخدام المشروع لقمع الرأي المخالف.
المحور السابع: المصالحة المجتمعية
إطلاق:
المبادرة الوطنية للمصالحة والتماسك الاجتماعي
وتشمل:
الحوار بين المجتمعات.
معالجة النزاعات المحلية.
دعم المصالحات.
توثيق الانتهاكات وفق الأطر القانونية.
جبر الضرر.
إعادة النازحين والمهجرين.
برامج مشتركة بين المجتمعات المتضررة.
فالسلام الحقيقي لا يصنعه السياسيون وحدهم؛ يصنعه المجتمع عندما يستعيد قدرته على العيش معاً.
المحور الثامن: ثقافة العمل والإنتاج
إطلاق حملة قومية:
«ننتج… نبني… ننهض»
وتستهدف تغيير الصورة الذهنية عن العمل والإنتاج.
وتشمل:
دعم المشاريع الصغيرة.
التدريب المهني.
تشجيع الزراعة.
دعم الصناعات المحلية.
ثقافة الادخار.
ريادة الأعمال.
العمل التطوعي المنتج.
المحور التاسع: إعادة الثقة في مؤسسات الدولة
يعمل المشروع بالتكامل مع برامج إصلاح الدولة على ترسيخ:
الكفاءة بدلاً من المحسوبية.
القانون بدلاً من النفوذ.
المؤسسة بدلاً من الفرد.
المساءلة بدلاً من الإفلات.
المصلحة العامة بدلاً من الولاء الشخصي.
وهذا المحور أساسي؛ لأن المواطن لن يثق بالدولة بمجرد مطالبته بذلك، بل عندما يرى العدالة والنزاهة في الواقع.
المحور العاشر: الثقافة والهوية السودانية
إطلاق مشروع:
«السودان وطن التنوع»
لإحياء:
التراث السوداني.
التاريخ الوطني.
الفنون.
اللغات والثقافات المحلية.
الموروث الشعبي.
الشخصيات الوطنية.
الذاكرة الوطنية المشتركة.
مع التأكيد على أن التنوع السوداني مصدر قوة وليس سبباً للصراع.
سابعاً: الفئات المستهدفة
يستهدف المشروع المجتمع السوداني بكامله، مع إعطاء الأولوية إلى:
الأطفال.
الطلاب.
الشباب.
النساء.
المعلمين.
الإعلاميين.
القيادات المجتمعية.
الإدارات الأهلية.
العاملين في المؤسسات العامة.
النازحين والعائدين.
منظمات المجتمع المدني.
السودانيين في المهجر.
ثامناً: المؤسسات الشريكة
ينفذ المشروع من خلال شراكة وطنية تضم:
مؤسسات الدولة
رئاسة مجلس الوزراء.
وزارات التربية والتعليم.
التعليم العالي والبحث العلمي.
الثقافة والإعلام.
الشباب والرياضة.
التنمية الاجتماعية.
العمل.
العدل.
الحكم المحلي.
المؤسسات الأكاديمية
الجامعات.
مراكز البحوث.
كليات التربية.
أقسام علم الاجتماع.
أقسام علم النفس.
مراكز الدراسات الاستراتيجية.
المجتمع المدني
المنظمات الوطنية.
المبادرات الشبابية.
المبادرات النسائية.
الجمعيات المهنية.
الإدارات الأهلية.
القطاع الخاص
لتمويل برامج التدريب والتشغيل وريادة الأعمال.
الإعلام
لتوسيع نطاق الحملات الوطنية.
السودانيون في الخارج
وذلك عبر الاستفادة من الكفاءات والخبرات السودانية في:
التعليم، الإدارة، التكنولوجيا، الاقتصاد، الإعلام، التدريب، والبحث العلمي.
تاسعاً: الهيكل المقترح للمشروع
1. المجلس الوطني للوعي وبناء المجتمع
جهة إشرافية عليا تضع السياسات العامة.
2. الأمانة العامة للمشروع
تتولى التنفيذ والمتابعة والتنسيق.
3. المركز الوطني للدراسات والبحوث الاجتماعية
يتولى:
الدراسات.
استطلاعات الرأي.
قياس اتجاهات المجتمع.
تقييم أثر البرامج.
4. إدارات ولائية
تنفذ البرامج على المستوى المحلي.
5. مراكز مجتمعية
تكون نقاط اتصال مباشرة مع المواطنين.
عاشراً: مراحل التنفيذ
المرحلة الأولى: سنة التأسيس
المدة: 12 شهراً
تشمل:
الدراسات الميدانية.
إعداد المناهج والمواد.
تدريب المدربين.
إطلاق الحملات الإعلامية.
تأسيس الهياكل.
اختيار الولايات ذات الأولوية.
المرحلة الثانية: التوسع
من السنة الثانية إلى الثالثة
تشمل:
توسيع البرامج التعليمية.
إنشاء مراكز الوعي المجتمعي.
تدريب القيادات المحلية.
برامج الشباب والمرأة.
حملات مكافحة خطاب الكراهية.
برامج المصالحة.
المرحلة الثالثة: التمكين
من السنة الرابعة إلى الخامسة
تهدف إلى تحويل المشروع من حملة مؤقتة إلى:
ثقافة وطنية مستدامة.
بحيث تصبح قيم المواطنة والقانون والعمل والتعايش جزءاً من الحياة اليومية والمؤسسات التعليمية والإعلامية والمجتمعية.
الحادي عشر: مؤشرات قياس النجاح
لا ينبغي أن يكون المشروع مجرد مؤتمرات وشعارات.
بل يجب قياس نتائجه من خلال مؤشرات واضحة، منها:
انخفاض خطاب الكراهية.
ارتفاع الثقة بالمؤسسات.
زيادة المشاركة المجتمعية.
ارتفاع معدلات التطوع.
زيادة مشاركة الشباب.
زيادة مشاركة المرأة.
تحسن الوعي القانوني.
انخفاض انتشار الشائعات.
ارتفاع معدلات الالتحاق بالتدريب المهني.
زيادة المشاريع الصغيرة.
تحسن مؤشرات التماسك الاجتماعي.
الثاني عشر: التمويل
يقترح إنشاء:
الصندوق القومي للوعي وبناء المجتمع
وتأتي موارده من:
الموازنة العامة وفق الأطر القانونية.
القطاع الخاص.
المسؤولية الاجتماعية للشركات.
المنظمات الدولية.
المؤسسات الإقليمية.
المنح التنموية.
مساهمات السودانيين في الخارج.
مع إخضاع الصندوق لنظام مالي ورقابي شفاف.
الثالث عشر: المبادئ الحاكمة للمشروع
حتى لا يتحول المشروع نفسه إلى أداة للهيمنة أو التوجيه السياسي، يجب أن يلتزم بالمبادئ التالية:
1. الحياد السياسي
لا يخدم حزباً أو جماعة أو شخصاً.
2. احترام التنوع
السودان متعدد الثقافات والمكونات.
3. احترام الحريات
الوعي لا يعني مصادرة حرية التفكير والتعبير.
4. سيادة القانون
كل برامج المشروع تخضع للقانون.
5. الشراكة
لا تفرض الدولة المشروع على المجتمع؛ بل تشارك المجتمع في تصميمه وتنفيذه.
6. الشفافية
كل الأموال والبرامج والنتائج قابلة للمراجعة.
7. العلم والمعرفة
البرامج تستند إلى البحوث والبيانات لا إلى الانطباعات.
الرابع عشر: الرسالة الوطنية
إن السودان لا يحتاج بعد الحرب إلى إعادة بناء الحجر وحده.
إنه يحتاج إلى إعادة بناء:
العقل، والضمير، والثقة، والانتماء، والقيم، والمؤسسات.
نحتاج إلى جيل يعرف أن السودان وطنه، وأن الدولة ليست غنيمة، وأن الوظيفة ليست امتيازاً، وأن السلطة مسؤولية، وأن الاختلاف ليس عداءً، وأن القبيلة مكوّن اجتماعي لا بديل عن الدولة، وأن السلاح مكانه المؤسسات النظامية، وأن القانون فوق الجميع.
الخامس عشر: النداء الوطني
يا أبناء السودان…
لقد دفع وطننا ثمناً باهظاً بسبب الحرب والانقسام والتنازع.
ولا يجوز أن نخرج من الحرب ونحن نحمل العقلية التي أدخلتنا إليها.
إن إعادة إنتاج الماضي تعني إعادة إنتاج الأزمة.
أما المستقبل فيحتاج إلى سوداني جديد:
واعٍ بحقوقه،
ملتزم بواجباته،
محترم للقانون،
معتز بوطنه،
متصالح مع تنوعه،
رافض للكراهية،
مؤمن بالعمل،
قادر على الحوار،
ومستعد لأن يضع مصلحة السودان فوق مصلحة الجماعة.
إن معركة السودان القادمة ليست فقط معركة إعادة الإعمار.
إنها معركة إعادة بناء الإنسان والدولة معاً.
ولهذا يجب أن يكون شعار المرحلة:
«نبني الإنسان… نبني الوعي… نبني الدولة»
فإذا صلح الوعي، صلح السلوك.
وإذا صلح السلوك، صلحت المؤسسات.
وإذا صلحت المؤسسات، استعادت الدولة هيبتها.
وإذا استعادت الدولة هيبتها، عاد الأمن والاستقرار.
وإذا عاد الاستقرار، انطلقت التنمية.
وهنا يبدأ السودان الجديد الذي نريده جميعاً.











إرسال تعليق