حين تحدث السودان من موقع الندية

  • بتاريخ : 31 أغسطس، 2026 - 4:26 م
  • الزيارات : 9
  • بقلم / الإمام عبداللطيف الإمام

    في قاعة مجلس الأمن الدولي بنيويورك، حيث تتقاطع مصالح الدول الكبرى وتُختبر موازين القوة، لم يكن صوت السودان هذه المرة مجرد صوت دولة تشرح أزمتها، وإنما صوت دولة تؤكد حقها في أن تُسمع وأن تُحترم.

    كان ذلك في مداخلة السفير الحارث إدريس، مندوب السودان الدائم لدى الأمم المتحدة، الذي اختار أن يضع قضية السودان في إطارها الصحيح: *دولة ذات سيادة، لا ملفاً دولياً مفتوحاً للوصاية أو الإملاء.*
    وهنا تكمن أهمية الخطاب.
    فالسودان، وهو يعيش واحدة من أقسى مراحل تاريخه، لا يحتاج إلى من يتحدث باسمه بقدر ما يحتاج إلى أن يمتلك القدرة على عرض قضيته بنفسه، وباللغة التي يفهمها المجتمع الدولي: لغة القانون والحجة والمصالح والحقائق.

    لقد كان السؤال الأكبر الذي حملته المداخلة هو سؤال العدالة الدولية نفسها:
    هل القانون الدولي واحد للجميع، أم أن تطبيقه يتغير بحسب قوة الدولة وموقعها السياسي؟

    ذلك سؤال مشروع، خصوصاً أمام عالم شهد خلال السنوات الماضية مآسي وحروباً وانتهاكات لم تحظَ كلها بالقدر نفسه من الاهتمام أو الضغط الدولي.

    وعندما تصبح المعايير مزدوجة، فإن المشكلة لا تعود في الدولة التي تطالب بحقها فقط، وإنما في النظام الدولي الذي يفقد تدريجياً ثقة الشعوب في عدالته.

    والسودان لا يطالب بمعاملة خاصة.
    إنما يطالب بأن تكون القاعدة واحدة على الجميع، وأن تكون حياة المدنيين وحقوق الشعوب وسيادة الدول مبادئ لا تتغير بتغير الجغرافيا أو التحالفات السياسية.

    لكن الأهم أن المداخلة لم تضع السودان في مواجهة مع المجتمع الدولي من حيث المبدأ.
    فالسودان يحتاج إلى المجتمع الدولي، ويحتاج إلى جهود صادقة تساعده على إنهاء الحرب، وحماية المدنيين، وإعادة الإعمار.

    *غير أن هناك فرقاً كبيراً بين المساعدة والوصاية، وبين الوساطة والإملاء، وبين الشراكة والتدخل في القرار الوطني.*

    وهذه نقطة جوهرية يجب أن تظل حاضرة في أي خطاب سوداني إلى الخارج.
    إن احترام سيادة السودان لا يعني رفض التعاون مع العالم، *وإنما يعني أن يكون هذا التعاون قائماً على الاحترام المتبادل، وأن يظل القرار الوطني في يد السودانيين.*

    ومن هنا أيضاً تأتي قيمة الأداء الدبلوماسي للسفير الحارث إدريس.
    فالدبلوماسية الناجحة ليست في ارتفاع الصوت، ولا في كثرة العبارات الحماسية، *وإنما في القدرة على تحويل الموقف الوطني إلى حجة سياسية وقانونية يصعب تجاوزها*.

    والسودان، في الحقيقة، لا تنقصه الكفاءات القادرة على ذلك.
    لقد ظل السودان يمتلك على امتداد تاريخه دبلوماسيين وأكاديميين وخبراء قدموا أداءً مشرفاً في المحافل الدولية. وما نحتاجه اليوم هو إعادة بناء هذه المدرسة على أسس أكثر احترافاً، وربط الدبلوماسية برؤية وطنية واضحة ومصالح محددة.

    فالمعركة الدبلوماسية لا تنفصل عن معركة بناء الدولة.
    الدولة التي تريد أن يكون صوتها مسموعاً في العالم، يجب أن تمتلك مؤسسات قوية، واقتصاداً منتجاً، وخدمة مدنية محترفة، وجيشاً وطنياً، وقضاءً مستقلاً، ورؤية واضحة لعلاقاتها الدولية.
    عندها فقط تصبح السيادة أكثر من مجرد شعار.
    *السيادة الحقيقية هي أن تمتلك الدولة قرارها، وتحمي مصالحها، وتعرف ماذا تريد، وتفاوض الآخرين من موقع الندية*.

    ولذلك، فإن القيمة الحقيقية لمثل هذه المواقف الدبلوماسية ليست في التصفيق لها، ولا في تحويلها إلى معركة شعارات، وإنما في أن تكون جزءاً من مشروع أكبر لاستعادة مكانة السودان.

    نحن لا نريد للسودان أن يبقى في الوعي الدولي مجرد «دولة حرب» أو «ملف إنساني».
    نريد أن يعود إلى صورته الطبيعية: دولة ذات تاريخ وحضارة وموقع استراتيجي وموارد هائلة، وشعب قادر على النهوض متى امتلك دولة رشيدة ومؤسسات قوية.

    إن الحرب أضعفت السودان، لكنها كشفت أيضاً حاجته الملحة إلى إعادة بناء الدولة على أسس جديدة.
    ومن أهم دروسها أن الدول لا تحمي سيادتها بالخطب وحدها، *وإنما بقوة مؤسساتها، ووحدة إرادتها الوطنية، وكفاءة رجالها، وقدرتها على إدارة علاقاتها مع العالم.*

    ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى مداخلة السفير الحارث إدريس باعتبارها أكثر من مجرد خطاب في مجلس الأمن؛ إنها تذكير بأن للسودان حقاً في أن يتحدث عن نفسه، وأن يطرح قضيته من موقع الدولة لا من موقع الضحية.

    فالسودان يريد السلام، لكنه يريد سلاماً يحفظ وحدته وسيادته.
    ويريد التعاون الدولي، لكنه يريد تعاوناً يقوم على الندية والاحترام.
    ويريد العدالة، لكنه يريد عدالة لا تعرف الانتقائية.

    وفي النهاية، فإن السودان لا يحتاج إلى أن يرفع صوته على العالم حتى يحترمه العالم.
    يحتاج فقط إلى أن يبني دولة قوية، ويختار من يمثلها بكفاءة، ويعرف كيف يدافع عن مصالحها بثبات ووعي.
    عندها لن يكون السودان مجرد دولة تتحدث في مجلس الأمن عن سيادتها.
    بل سيكون دولةً يصعب على أحد أن يتجاهل سيادتها.
    *حفظ الله السودان، وأوقف نزيف الدم، وأعاد إليه الأمن والاستقرار، وهيأ له من أبنائه من يحملون أمانة الوطن بعلم وشجاعة ونزاهة*.
    *فالأوطان لا تستعيد مكانتها بالصوت العالي… وإنما بالدولة القوية، والموقف الواضح، والإنسان الكفء.*
    *السودان أولاً… والسيادة قرار …والسيادة لا تُستجدى ….السيادة تُنتزع.*