مكافأة نهاية الخدمة والتعويض عن الإنهاء غير المشروع

  • بتاريخ : 24 أغسطس، 2026 - 1:19 م
  • الزيارات : 29
  • بقلم / الطيب مضوي شيقوق _ المحامي والمستشار القانوني 

    من المسائل التي يكثر حولها الخلط في منازعات العمل التمييز بين مكافأة نهاية الخدمة والتعويض عن الإنهاء غير المشروع لعقد العمل. ومرد هذا الخلط إلى أن الحقين يرتبطان بمناسبة واحدة هي انتهاء علاقة العمل، غير أن وحدة المناسبة لا تعني وحدة المصدر أو السبب أو الغاية أو شروط الاستحقاق.
    غير أن البحث في أي من هذين الحقين يقتضي، قبل كل شيء، تحديد طبيعة العلاقة القانونية التي تربط الشخص بالجهة التي يعمل لديها؛ إذ لا يصح افتراض خضوع كل من يؤدي عملاً بأجر لأحكام قانون العمل، كما لا يصح اعتبار كل من يعمل لدى جهة حكومية موظفاً عاماً.
    فالموظف العام يستمد مركزه القانوني من قانون أو نظام خاص بالوظيفة العامة، تحدد بموجبه شروط تعيينه وحقوقه وواجباته وترقيته وإجازاته وتأديبه وانتهاء خدمته وما يترتب على ذلك من استحقاقات. ومن ثم فإن حقوقه عند انتهاء الخدمة لا تستمد، في الأصل، من قانون العمل، وإنما من التشريع واللوائح التي تحكم الوظيفة التي يشغلها.
    أما العامل الخاضع لقانون العمل، فتقوم علاقته بصاحب العمل على عقد عمل، وتخضع لشروط هذا العقد ولأحكام قانون العمل واللوائح والاتفاقيات ذات الصلة. وقد يكون صاحب العمل شخصاً خاصاً، وقد يكون جهة عامة، دون أن يؤدي ذلك بذاته إلى إضفاء صفة الموظف العام على العامل.
    ومن هنا فإن التمييز الصحيح لا يقوم على مجرد ثنائية “حكومي وخاص”، وإنما على معيار أدق، هو: هل العلاقة علاقة وظيفية يحكمها نظام خدمة خاص، أم علاقة عمل يحكمها قانون العمل؟
    وقد أخذ قانون العمل السوداني لسنة 1997م بهذا المعيار في تحديد نطاق تطبيقه، فأخرج من أحكامه، في المادة (3)، فئات تخضع لأنظمة قانونية خاصة، ومن بينها أعضاء السلطة القضائية والمستشارون بوزارة العدل وأفراد القوات النظامية والأمن، كما استبعد العاملين في الحكومة والهيئات والمؤسسات العامة وشركات القطاع العام الذين تحكم شروط خدمتهم قوانين أو لوائح خاصة، فضلاً عن فئات أخرى حددها القانون.
    وعليه، فإن مجرد كون الحكومة طرفاً في العقد لا يكفي وحده لإخراج العلاقة من نطاق قانون العمل؛ وإنما ينبغي التحقق مما إذا كان العامل تحكم شروط خدمته قوانين أو لوائح خاصة.
    وقد أكدت المحكمة العليا السودانية هذا المعنى في بعض أحكامها، فاعتبرت أن العامل الذي يرتبط بجهة حكومية بموجب عقد خاص، ولا يكون خاضعاً لقانون أو لائحة خدمة خاصة، قد يكون خاضعاً لأحكام قانون العمل، رغم كون الجهة المتعاقدة معه جهة حكومية.
    وتبرز أهمية هذا التمييز بصورة خاصة في حالة العقود التي تبرم مع الشخص بعد بلوغه سن التقاعد، والتي تعرف عملياً بعقود المشاهرة.
    فالتقاعد ينهي، في الأصل، العلاقة الوظيفية السابقة، وينهي معها المركز القانوني الذي كان يستمد منه الشخص صفته كموظف عام. فإذا أعيد تشغيله بعد ذلك بموجب عقد جديد، فإن هذه العلاقة الجديدة لا ينبغي أن تخلط بالخدمة السابقة، بل يتعين بحثها باعتبارها علاقة قانونية جديدة، لها مصدرها وشروطها وآثارها.
    ولا يكفي أن يكون الشخص قد كان موظفاً عاماً قبل التقاعد للقول بأن علاقته الجديدة تظل علاقة وظيفية عامة؛ فقد يبرم بعد التقاعد عقداً مستقلاً للعمل بأجر شهري، وقد يكون هذا العقد خاضعاً لقانون العمل، أو لتشريع خاص بالجهة المتعاقدة، بحسب طبيعة العقد والقواعد القانونية المنظمة له.
    كما أن مجرد تسمية العقد “عقد مشاهرة” لا تحسم طبيعته القانونية؛ فالعبرة بحقيقة العلاقة التي أنشأها العقد، وبحقوق والتزامات طرفيه، وبالقواعد القانونية التي تحكمها، لا بمجرد الاسم الذي أطلقه المتعاقدان عليه.
    ومن ثم، فإن المتقاعد الذي يعاد تشغيله بعقد مشاهرة ينبغي ألا يُنظر إليه تلقائياً باعتباره موظفاً عاماً مستمراً في خدمته السابقة، ولا باعتباره عاملاً خاضعاً لقانون العمل لمجرد أنه يتقاضى أجراً شهرياً، وإنما يتعين أولاً تحديد طبيعة العقد الجديد والقانون الذي يحكمه.
    وتترتب على هذا التمييز نتيجة مهمة عند انتهاء عقد المشاهرة؛ إذ لا يصح، كأصل عام، أن تُضم مدة الخدمة السابقة على التقاعد إلى مدة العقد اللاحق لأغراض احتساب الحقوق الناشئة عن العلاقة الجديدة، إلا إذا وجد سند قانوني أو تعاقدي يقتضي ذلك. فالتقاعد قد فصل بين علاقتين قانونيتين مستقلتين: الأولى علاقة وظيفية انتهت بالتقاعد، والثانية علاقة تعاقدية نشأت بعده.
    وهذا التحديد لنطاق العلاقة القانونية ليس مسألة شكلية، بل هو المدخل الصحيح لتحديد الحقوق التي تترتب عند انتهائها. فإذا ثبت أن العلاقة الجديدة تخضع لقانون العمل، انتقل البحث إلى الحقوق التي قررها القانون للعامل عند انتهاء خدمته، وفي مقدمتها مكافأة نهاية الخدمة وبدل الإنذار والتعويض عن الإنهاء غير المشروع.
    أما إذا كانت العلاقة الجديدة محكومة بتشريع خاص أو بلائحة خاصة، فإن المرجع يكون إلى ذلك التشريع أو اللائحة، ولا يجوز استيراد أحكام قانون العمل إليها بغير سند.
    أولاً: مكافأة نهاية الخدمة
    أفرد قانون العمل السوداني لسنة 1997م أحكاماً خاصة لفوائد ما بعد الخدمة، ومن بينها مكافأة نهاية الخدمة.
    وتقوم مكافأة نهاية الخدمة على فكرة مختلفة عن فكرة التعويض عن الإنهاء غير المشروع؛ فهي في جوهرها حق يرتبط بالخدمة ومدتها، متى توافرت شروط الاستحقاق التي حددها القانون.
    وقد ربط المشرع استحقاق المكافأة بمدة الخدمة المستمرة، ونص على حد أدنى للخدمة حتى ينشأ الحق فيها، مع مراعاة أحكام التأمين الاجتماعي أو أي وضع آخر يكون أصلح للعامل.
    ومن ثم فإن السؤال في شأن مكافأة نهاية الخدمة هو: هل توافرت شروط استحقاقها، وما هي مدة الخدمة التي يعتد بها القانون؟
    وليس السؤال ابتداءً: هل كان إنهاء الخدمة مشروعاً أم غير مشروع؟
    وهذا فارق جوهري؛ لأن مكافأة نهاية الخدمة لا تقوم في أصلها على خطأ ارتكبه صاحب العمل، ولا تستلزم لإثباتها أن يكون إنهاء الخدمة تعسفياً أو غير مشروع.
    فقد تنتهي خدمة العامل انتهاءً مشروعاً، ومع ذلك يستحق مكافأة نهاية الخدمة متى توافرت شروطها.
    وقد تنتهي خدمته على نحو غير مشروع، فيظل حقه في المكافأة قائماً إذا كان مستحقاً لها، إلى جانب الحق الآخر الناشئ عن عدم مشروعية الإنهاء.
    وبذلك يمكن القول إن مكافأة نهاية الخدمة حق مرتبط بالخدمة، وليس جزاءً على سوء إنهائها.
    وتتأكد هذه القاعدة عند التمييز بين الخدمة السابقة على التقاعد والعمل اللاحق له. فإذا انتهت الخدمة الأولى بالتقاعد، ثم نشأت علاقة تعاقدية جديدة بعقد مشاهرة، فإن البحث في مكافأة نهاية الخدمة الخاصة بالعقد الجديد ينبغي أن ينطلق من مدة العلاقة الجديدة والقانون الذي يحكمها، ما لم يوجد نص أو اتفاق يقرر خلاف ذلك.
    ثانياً: التعويض عن الإنهاء غير المشروع
    يختلف التعويض عن الإنهاء غير المشروع اختلافاً جوهرياً عن مكافأة نهاية الخدمة.
    فالتعويض لا ينشأ لمجرد انتهاء علاقة العمل، وإنما يقوم على عدم مشروعية الإنهاء متى كان القانون يرتب على ذلك الإنهاء حقاً في التعويض.
    ومن ثم، فإن مناط الاستحقاق هنا هو إثبات أن صاحب العمل أنهى العلاقة على نحو يخالف أحكام القانون أو العقد، بحسب الأحوال، وأن الحالة تدخل في نطاق التعويض الذي قرره المشرع.
    فإذا كان الإنهاء مشروعاً ومستوفياً لشروطه، فلا محل ـ من حيث الأصل ـ للتعويض عن الإنهاء غير المشروع، وإن بقيت للعامل حقوق أخرى مترتبة على انتهاء الخدمة.
    أما إذا ثبت أن الإنهاء غير مشروع، فإن التعويض يصبح حقاً مستقلاً عن سائر الحقوق التي يكون العامل قد اكتسبها أثناء خدمته أو بسبب انتهائها.
    وهنا يظهر الفرق بصورة جلية:
    مكافأة نهاية الخدمة تقوم على الخدمة.
    والتعويض عن الإنهاء غير المشروع يقوم على عدم مشروعية الإنهاء.
    ثالثاً: التعويض ليس بديلاً عن مكافأة نهاية الخدمة
    من أهم النتائج القانونية المترتبة على هذا التمييز أن الحكم بالتعويض عن الإنهاء غير المشروع لا يعني، بذاته، سقوط حق العامل في مكافأة نهاية الخدمة.
    فإذا استوفى العامل شروط المكافأة، فإن استحقاقه لها يقوم على أساس مستقل.
    وفي المقابل، فإن استحقاقه للمكافأة لا يمنعه من المطالبة بالتعويض إذا كان إنهاء خدمته غير مشروع وتوافرت شروط التعويض.
    ولذلك فإن جمع العامل بين الطلبين في دعوى واحدة لا يعني بالضرورة أنه يطالب بالحق ذاته مرتين، وإنما قد يكون بصدد حقين مختلفين في المصدر والغاية.
    غير أن القضاء ينبغي أن يتحقق من طبيعة كل مطالبة على حدة، ومن مدى توافر شروطها، حتى لا يؤدي الحكم بأحدها إلى احتساب الآخر بصورة مكررة أو إلى منح تعويض لا سند له في القانون.
    رابعاً: التعويض وبدل الإنذار
    ولا ينبغي أن يختلط التعويض عن الإنهاء غير المشروع كذلك بـ بدل الإنذار.
    فبدل الإنذار يقوم على عدم مراعاة مدة الإنذار التي أوجبها القانون أو العقد عند إنهاء العلاقة، بينما يقوم التعويض على عدم مشروعية الإنهاء ذاته في الحالات التي رتب فيها6 القانون التعويض.
    وقد يجتمع الحقان في واقعة واحدة، وقد ينفرد أحدهما عن الآخر بحسب ظروف الإنهاء وأحكام القانون.
    فإذا أنهى صاحب العمل العقد دون مراعاة مدة الإنذار، نشأ بحث استحقاق بدل الإنذار.
    وإذا كان الإنهاء ذاته غير مشروع، نشأ بحث التعويض المقرر قانوناً عن هذا الإنهاء.
    وهذا يؤكد مرة أخرى أن حقوق العامل عند انتهاء الخدمة ليست حقاً واحداً يندرج تحته كل شيء، وإنما مجموعة من الحقوق المستقلة، لكل منها سببه ومناط استحقاقه.
    خامساً: موقف القضاء السوداني
    أولت المحكمة العليا السودانية مسألة التمييز بين هذه الحقوق عناية واضحة، وأكدت في عدد من أحكامها استقلال مكافأة نهاية الخدمة عن التعويض عن الإنهاء غير المشروع.
    ومن السوابق المهمة في هذا المجال قضية بنك العمال الوطني ضد محمد عثمان نوري، حيث تناولت المحكمة العليا طبيعة التعويض المقرر عن الإنهاء غير المشروع، وأكدت أن التعويض الذي يقرره القانون عن الإنهاء غير المشروع مستقل عن الحقوق الأخرى التي يستحقها العامل بمناسبة انتهاء خدمته.
    كما أكدت المحكمة أن تقدير التعويض لا يكون خاضعاً لتقدير مطلق للمحكمة بعيداً عن النص، وإنما ينبغي أن يتم في الحدود التي رسمها المشرع.
    وهذا الاتجاه القضائي له أهمية بالغة؛ لأنه يمنع الخلط بين ثلاثة مراكز قانونية مختلفة:
    الأول: حق العامل في مكافأة نهاية الخدمة، متى توافرت شروطها.
    والثاني: حقه في بدل الإنذار، متى كان مستحقاً.
    والثالث: حقه في التعويض عن الإنهاء غير المشروع، متى ثبتت عدم مشروعية الإنهاء وتوافرت شروط التعويض.
    سادساً: عقود المشاهرة بعد التقاعد وأثرها على التعويض
    وتتضح أهمية هذه القواعد بصفة خاصة في عقود المشاهرة التي تبرم بعد التقاعد.
    فإذا انتهت خدمة الموظف العام بالتقاعد، ثم أبرم مع الجهة عقداً جديداً لمدة محددة أو على أساس شهري، فإن انتهاء العقد الجديد لا ينبغي أن يعامل بالضرورة باعتباره فصلاً من الوظيفة العامة.
    فالعبرة بطبيعة العلاقة الجديدة.
    فإذا كان العقد محدد المدة وانتهت مدته دون تجديد، فقد يكون ما حدث مجرد انتهاء طبيعي للعقد، لا إنهاءً غير مشروع.
    أما إذا أنهت الجهة العقد قبل انتهاء مدته بالمخالفة لشروطه أو للنظام القانوني الذي يحكمه، فإن المسألة تختلف، ويصبح البحث في مدى مشروعية الإنهاء والآثار القانونية المترتبة عليه.
    ومن الخطأ، في تقديري، أن يُقال بصورة مطلقة إن كل من يعاد تشغيله بعد التقاعد يظل موظفاً عاماً، أو أن كل عقد مشاهرة يخضع تلقائياً لقانون العمل. فالتكييف الصحيح يتطلب قراءة العقد ذاته، ومعرفة الجهة التي أبرمته، والنظام الذي يحكمها، وطبيعة العمل، ومدى وجود لائحة أو قانون خاص ينظم إعادة التشغيل بعد التقاعد.
    سابعاً: مدة الخدمة وأثر التقاعد
    ومن المسائل التي تستحق عناية خاصة مسألة ضم مدة الخدمة السابقة إلى مدة العمل اللاحقة للتقاعد.
    والأصل أن لكل علاقة قانونية آثارها المستقلة. فإذا انتهت الخدمة الأولى بالتقاعد واستحق الموظف الحقوق المقررة عن تلك الخدمة، ثم بدأ بعد ذلك علاقة جديدة، فإن مدة الخدمة الجديدة لا تندمج تلقائياً في الخدمة السابقة.
    ولا يجوز ضم المدتين إلا إذا كان هناك نص قانوني أو تعاقدي أو نظام خاص يوجب ذلك.
    وهذا الأمر له أثر مباشر في حساب مكافأة نهاية الخدمة؛ إذ إن أساس احتساب المكافأة هو مدة الخدمة التي يعتد بها القانون المنطبق على العلاقة محل البحث.
    كما أن الأمر نفسه يؤثر في تحديد ما إذا كان العامل قد استوفى الحد الأدنى من مدة الخدمة اللازمة لاستحقاق المكافأة.
    ثامناً: التكييف القانوني هو مفتاح الفصل في الدعوى
    ولذلك فإن المحكمة، عند نظر نزاع من هذا النوع، ينبغي أن تبدأ ـ قبل بحث مقدار المكافأة أو التعويض ـ بتحديد طبيعة العلاقة القانونية.
    هل نحن أمام موظف عام تحكم خدمته أحكام الوظيفة العامة؟
    أم أمام عامل في القطاع الخاص يخضع لقانون العمل؟
    أم أمام عامل لدى جهة عامة، لكن علاقته تقوم على عقد خاص ولا يخضع لنظام خدمة خاص؟
    أم أمام متقاعد أبرم بعد تقاعده عقد مشاهرة جديداً؟
    هذه الأسئلة ليست ترفاً قانونياً، وإنما هي التي تحدد القانون الواجب التطبيق، ومن ثم الحقوق التي يمكن للعامل المطالبة بها.
    فإذا أخطأ القاضي في تكييف العلاقة، ترتب على ذلك بالضرورة خطأ في تحديد مصدر الحق وشروط استحقاقه ومقداره.
    الخلاصة
    يتضح مما تقدم أن مكافأة نهاية الخدمة والتعويض عن الإنهاء غير المشروع حقان مختلفان، وإن اجتمعا في مناسبة انتهاء علاقة العمل.
    فمكافأة نهاية الخدمة تستند إلى الخدمة ومدتها وتوافر شروط الاستحقاق، ولا يشترط فيها أن يكون إنهاء الخدمة غير مشروع.
    أما التعويض عن الإنهاء غير المشروع فيستند إلى مخالفة أحكام القانون أو العقد عند إنهاء العلاقة، ويهدف إلى جبر الضرر في الحدود التي رسمها المشرع.
    وبينهما يقف بدل الإنذار باعتباره حقاً مستقلاً يقوم على عدم مراعاة مدة الإنذار المقررة قانوناً أو تعاقداً.
    غير أن الوصول إلى هذه النتيجة يتطلب، قبل كل شيء، تحديد الشخص الذي يخاطبه قانون العمل، وتمييز الموظف العام عن العامل الخاضع لقانون العمل، وعدم الخلط بين الوظيفة العامة وعلاقة العمل التعاقدية.
    كما يتعين عند تناول عقود المشاهرة بعد التقاعد إدراك أن التقاعد قد أنهى العلاقة الوظيفية السابقة، وأن العقد اللاحق قد ينشئ علاقة قانونية جديدة مستقلة، لا يكفي اسمها أو كونها مع الجهة ذاتها لتحديد طبيعتها، وإنما يتعين الرجوع إلى مصدرها وشروطها والقانون الذي يحكمها.
    ومن ثم فإن القاعدة التي ينبغي أن تحكم النظر في هذه المنازعات هي أن الحق يتبع مصدره القانوني، وأن تحديد القانون الواجب التطبيق يسبق تحديد الحق ومقداره.
    فلا مكافأة نهاية خدمة بغير تحديد القانون الذي أنشأها وشروط استحقاقها، ولا تعويض عن إنهاء غير مشروع بغير ثبوت عدم مشروعية الإنهاء، ولا يصح في أي من الحالتين تجاوز التكييف القانوني للعلاقة إلى مجرد الوصف الذي يطلقه أطرافها عليها.
    وهكذا يستقيم البناء القانوني للدعوى: تحديد طبيعة العلاقة أولاً، ثم تحديد القانون الواجب التطبيق، ثم تحديد الحقوق الناشئة عنها، ثم بحث شروط استحقاق كل حق ومقداره على استقلال. وهو المنهج الذي يحول دون الخلط بين الوظيفة العامة وعلاقة العمل، وبين مكافأة نهاية الخدمة والتعويض عن الإنهاء غير المشروع، وبين الخدمة السابقة على التقاعد والعلاقة التعاقدية التي قد تنشأ بعده.