المقعد الذي ينتظر الجميع تأمل في الإنسان والخبرة والعدالة بعد انتهاء العمل

  • بتاريخ : 24 أغسطس، 2026 - 1:26 م
  • الزيارات : 1
  • بقلم: د. مختار خضر بشراب

    من أكثر التحولات التي قد تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة في آثارها، ذلك اليوم الذي يغادر فيه الإنسان وظيفته للمرة الأخيرة. قد يكون الأمر في نظر المؤسسة مجرد إجراء إداري: انتهاء خدمة، وتسليم عهدة، وإغلاق ملف وظيفي. أما بالنسبة إلى الإنسان، فالأمر قد يكون مختلفًا تمامًا؛ لأنه لا يغادر في ذلك اليوم مكتبًا فقط، وإنما يغادر جزءًا من هويته التي تشكلت على امتداد سنوات طويلة.
    فالوظيفة ليست مصدر دخل فحسب، وإنما تمنح الإنسان موقعًا اجتماعيًا، وشعورًا بالانتماء، وإحساسًا بالمسؤولية، ونظامًا يوميًا للحياة، وعلاقات مهنية واجتماعية، وشعورًا بأنه مطلوب ومؤثر. ولذلك فإن فقدان الصفة الوظيفية قد يترك أثرًا نفسيًا لا يظهر في الأوراق الرسمية ولا تقيسه أنظمة الموارد البشرية بسهولة.
    وقد يبدأ بعض المعاشيين بعد انتهاء خدمتهم في مواجهة سؤال داخلي صامت: إذا لم أعد أستاذًا أو طبيبًا أو مهندسًا أو مديرًا أو معلمًا، فمن أنا الآن؟
    وهنا تكمن إحدى أهم القضايا الإنسانية في مرحلة المعاش. فالإنسان قد يفقد صفته الوظيفية، لكنه لا يفقد شخصيته ولا علمه ولا خبرته ولا ذاكرته ولا قدرته على العطاء. المشكلة تبدأ عندما يربط الإنسان قيمته بالمسمى الوظيفي إلى درجة يشعر معها أن انتهاء الوظيفة يعني انتهاء دوره.
    وهذا الربط ليس شأنًا فرديًا فقط؛ فالمجتمع والمؤسسات يساهمان أحيانًا، من حيث لا يقصدان، في تكريس هذه النظرة عندما يصبح اهتمامهما بالإنسان مرتبطًا بوجوده داخل الوظيفة، بينما يقل الاهتمام به بعد مغادرته لها.

    ماذا يحدث للإنسان عندما يفقد صفته الوظيفية؟
    الانتقال إلى المعاش يمثل ما يسميه علماء النفس والاجتماع انتقالًا في الأدوار الاجتماعية. فالإنسان اعتاد لسنوات طويلة أن يعيش وفق إيقاع محدد: موعد للعمل، مهام ومسؤوليات، زملاء، قرارات، مشكلات تحتاج إلى حل، وأهداف يسعى إلى تحقيقها. وفجأة يتغير هذا الإيقاع.
    وقد يجد بعض الناس أنفسهم أمام وقت واسع لم يعتادوا امتلاكه، فيتحول الوقت من مورد كان دائمًا ناقصًا إلى مساحة قد تبدو فارغة. وهنا تظهر أهمية الاستعداد النفسي والاجتماعي للمعاش؛ لأن الفراغ لا يصبح مشكلة بسبب عدد ساعاته فقط، وإنما بسبب غياب المعنى الذي يملؤه.
    ولهذا فإن الانتقال الناجح إلى المعاش لا ينبغي أن يُفهم باعتباره توقفًا عن العمل فقط، وإنما باعتباره إعادة تنظيم للحياة والمعنى والدور الاجتماعي.
    وهذا يقودنا إلى التمييز الضروري بين مفهومين كثيرًا ما يختلطان: التقاعد من العمل، والتقاعد من الحياة.
    الأول طبيعي وضروري، وهو انتقال الإنسان من دوره الوظيفي إلى مرحلة أخرى. أما الثاني فليس ضرورة على الإطلاق. فالإنسان يستطيع أن يتوقف عن الوظيفة دون أن يتوقف عن التعلم، أو التفكير، أو الإبداع، أو مساعدة الآخرين، أو نقل المعرفة، أو المشاركة المجتمعية.
    بل إن بعض أعظم مراحل العطاء قد تأتي بعد انتهاء المسار الوظيفي الرسمي، لأن الإنسان في هذه المرحلة يمتلك ما لم يكن يمتلكه في شبابه: الخبرة، والنضج، والرؤية، والقدرة على الربط بين الأحداث والتجارب.

    لماذا تهدر المجتمعات خبرات المعاشيين؟
    السؤال هنا ليس فقط: ماذا يحتاج المعاشي؟
    بل ينبغي أن نسأل أيضًا: ماذا يحتاج المجتمع من المعاشي؟
    فالمعاشيون ليسوا مجموعة من الأشخاص انتهت صلاحيتهم المهنية. هذه النظرة، إن وجدت، تمثل خسارة مزدوجة؛ خسارة للإنسان الذي يشعر أن خبرته لم تعد مطلوبة، وخسارة للمجتمع الذي يفقد مصدرًا غنيًا للمعرفة المتراكمة.
    فأستاذ الجامعة الذي أمضى عشرات السنين في التدريس والبحث لا يحمل شهادة وخدمة سابقة فقط؛ إنه يحمل ذاكرة علمية وتجارب أكاديمية ومعرفة بأجيال من الطلاب والمؤسسات. والطبيب المعاشي يحمل خبرات سريرية تراكمت من خلال سنوات طويلة من التعامل مع المرضى والحالات المختلفة. والمهندس يحمل معرفة عملية لا توجد كلها في الكتب، وإنما تشكلت من المشروعات والمواقف والأخطاء والحلول التي عاشها بنفسه.
    وينطبق الأمر على المعلم، والقاضي، والإداري، والمحاسب، والفني، والخبراء في مختلف المجالات.
    هذه المعرفة المتراكمة يمكن النظر إليها باعتبارها رأس مال معرفيًا للمجتمع. وهي معرفة يصعب تعويضها بمجرد تعيين شخص جديد، لأن الخبرة ليست معلومات فقط؛ إنها قدرة على فهم السياق، وتوقع المشكلات، وتجنب الأخطاء، ومعرفة ما لا يظهر في التقارير الرسمية.
    ومن هنا فإن المجتمع الذكي لا يسأل فقط: كيف يدير مرحلة معاش الإنسان؟
    بل يسأل أيضًا: كيف يحافظ على المعرفة التي اكتسبها هذا الإنسان طوال حياته؟

    المعاشي وذاكرة المؤسسة
    كل مؤسسة تمتلك ذاكرة، لكنها لا توجد دائمًا في الملفات واللوائح. جزء كبير منها يعيش في عقول الأشخاص الذين عملوا فيها لسنوات طويلة.
    يعرف الموظف القديم لماذا اتُخذ قرار معين، وكيف تطورت إجراءات محددة، وما الأخطاء التي حدثت في الماضي، وما الحلول التي نجحت، وأين تكمن مواطن الضعف التي قد لا تظهر في التقارير.
    وعندما يغادر هؤلاء دون آلية لنقل المعرفة، تفقد المؤسسة جزءًا من ذاكرتها.
    ولهذا يمكن أن يكون للمعاشيين دور مهم في نقل المعرفة بين الأجيال، من خلال الإرشاد والتدريب والاستشارات وبرامج التوجيه والتوثيق المؤسسي والمشاركة في بناء قدرات الموظفين الأصغر سنًا.
    وهنا يتحول المعاش من نهاية لدور إلى إعادة تعريف للدور.
    فبدل أن تقول المؤسسة للإنسان: انتهت خدمتك، يمكن أن تقول له: انتهت مرحلتك الوظيفية، لكن خبرتك ما زالت ذات قيمة، ويمكننا أن نجد لها مكانًا جديدًا.

    العزلة والفراغ: الجانب الذي لا نراه بسهولة
    ليست كل آثار المعاش ظاهرة.
    فقد يجد الإنسان نفسه فجأة بعيدًا عن شبكة واسعة من العلاقات التي اعتاد عليها. وقد يقل تواصله مع زملائه، وتتغير عاداته اليومية، ويصبح لديه وقت كبير لا يعرف كيف يستخدمه.
    وقد تتحول العزلة تدريجيًا إلى شعور بأن المجتمع لم يعد بحاجة إليه.
    وهنا تظهر أهمية الدور الأسري والاجتماعي والمؤسسي في مساعدة الإنسان على بناء مرحلة جديدة من حياته.
    فالإنسان يحتاج إلى أكثر من المال لكي يشعر بالأمان؛ يحتاج إلى المعنى، والانتماء، والتقدير، والتواصل، والشعور بأنه لا يزال قادرًا على العطاء.
    ومن الخطأ أن ننظر إلى هذه الاحتياجات باعتبارها رفاهية. فالإنسان الذي يشعر أن خبرته لا قيمة لها قد ينسحب تدريجيًا من المشاركة، بينما الإنسان الذي يجد مساحة جديدة للعطاء يمكن أن يحول مرحلة المعاش إلى واحدة من أكثر مراحل حياته نضجًا وإثراءً.

    من (المعاش) إلى (اقتصاد الخبرة)
    يمكن للمجتمع أن يذهب خطوة أبعد من ذلك، فيعيد التفكير في مفهوم المعاش نفسه.
    فبدل أن يكون المعاش مرحلة يُفترض فيها أن يتوقف الإنسان عن الإنتاج تمامًا، يمكن أن يكون مرحلة ينتقل فيها من الإنتاج الوظيفي إلى إنتاج المعرفة والخبرة.
    وهذه قيمة اقتصادية واجتماعية بالمعنى الواسع؛ لأن نقل الخبرة يقلل أخطاء الأجيال الجديدة، ويساعد المؤسسات على تطوير أدائها، ويوفر التدريب والإرشاد، ويحافظ على الذاكرة المهنية، ويمنح المجتمع فرصة للاستفادة من سنوات طويلة من التعلم العملي.
    ولا يعني ذلك بأي حال أن يتحول المعاشي إلى موظف من جديد، أو أن يُطلب منه الاستمرار في العمل رغم انتهاء خدمته. المقصود هو أن تكون أمامه خيارات إن أراد: أن يعلّم، أو يستشير، أو يدرب، أو يكتب، أو يوثق تجربته، أو يشارك في العمل المجتمعي، أو يساعد جيلًا جديدًا على اختصار الطريق.
    فالخبرة التي لا تنتقل تموت مع صاحبها، أما الخبرة التي تنتقل فتتحول إلى إرث للأجيال.

    وهنا يأتي سؤال العدالة
    عندما نتحدث عن المعاشيين، ينبغي ألا ننسى أن وراء هذه المرحلة أناسًا أفنوا شبابهم في خدمة المجتمع.
    أستاذ جامعي، وطبيب، ومهندس، ومعلم، وقاضٍ، وإداري، وفني، وعامل، وغيرهم من أصحاب المهن المختلفة، كل واحد منهم أدى دوره في مرحلة من مراحل بناء المجتمع.
    ومن حق هؤلاء أن يشعروا بأن المجتمع لا يتذكر خدماتهم فقط عندما كانوا في مواقع العمل، ثم ينساهم عندما يغادرونها.
    والعدالة هنا لا تعني منح أحد امتيازًا على حساب الآخرين، ولا تعني الدخول في مواجهة مع متخذي القرار. إنها تعني فقط أن ننظر إلى الإنسان في كل مراحل حياته، وأن ندرك أن الحقوق والكرامة لا ينبغي أن تكونا مرتبطتين بالمسمى الوظيفي.

    من مقعد القرار إلى مقعد المعاش
    قد يكون من المفيد لكل من يجلس اليوم في موقع مسؤولية أن يتذكر حقيقة بسيطة: الموقع الوظيفي مرحلة، وليس إقامة دائمة.
    فالمقعد الذي يجلس عليه اليوم سيأتي يوم يتركه فيه، كما تركه من سبقه، وسيجلس فيه من يأتي بعده.
    أما مقعد المعاش، فهو المقعد الذي ينتظر الجميع.

    فالأيام تتداول المقاعد، وما نقرره للآخرين اليوم قد يصبح غدًا جزءًا من تجربتنا نحن؛ ولذلك تظل العدالة أجمل ما نمنحه، وأجمل ما نرجو أن نجده. ولذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يصاحب كل قرار يمس حياة المعاشيين ليس فقط: هل القرار ممكن؟
    بل أيضًا: هل القرار عادل؟ وهل يحفظ للإنسان الذي أفنى عمره في الخدمة ما يستحقه من احترام وإنصاف؟
    فمتخذ القرار اليوم سيكون معاشيًا غدًا، كما أن المعاشي الذي نقف أمامه اليوم كان بالأمس في موقعه، يعمل ويبني ويتحمل المسؤولية.
    إنها دورة الحياة، وليست قضية فئة ضد فئة.

    حين تصبح الخبرة إرثًا
    إذا كان انتهاء الخدمة ينهي علاقة الإنسان الوظيفية بالمؤسسة، فإنه لا يلغي ما اكتسبه خلالها من معرفة وتجربة. ومن مسؤولية المجتمع والمؤسسات أن تجد لهذه الخبرة طريقًا إلى الأجيال الجديدة، بالتوثيق والتوجيه والاستشارة والتعليم ونقل المعرفة؛ فالمعاشيون يمثلون جزءًا من الذاكرة المهنية للمجتمع، وإهمال هذه الذاكرة يعني فقدان خبرات لا يمكن اكتسابها في وقت قصير.
    ولعل أجمل ما في هذه المرحلة أن الإنسان يكتشف أن قيمته لم تكن يومًا رهينة منصبه، وإنما فيما تركه من أثر في الناس وفي المكان الذي عمل فيه. وهنا يصبح المقعد الذي ينتظر الجميع تذكيرًا طبيعيًا بدورة الحياة: تتبدل المواقع، وتنتقل المسؤوليات، ويأتي جيل بعد جيل، ويبقى السؤال الأهم هو ماذا ترك كل منا وراءه عندما غادر مقعده؟ وربما كان أعدل ما نفعله في مواقعنا اليوم أن نجعل قراراتنا جديرة بأن نطمئن إليها عندما يأتي يوم نجلس فيه في المقعد نفسه.

    حين تكون العدالة هي الرسالة
    وفي النهاية، تبقى العدالة هي المعنى الذي ينبغي أن يجمعنا جميعًا في الحديث عن المعاشيين. فهذه الفئة لا تحتاج إلى نظرة شفقة، وإنما إلى نظرة إنصاف تضع سنوات العطاء في مكانها الصحيح، وتحفظ للإنسان حقه وكرامته بعد أن أدى ما عليه. ومن هنا تأتي أهمية أن ينظر متخذو القرار إلى قضايا المعاشيين بروح المسؤولية والوفاء، وأن يظل الإنسان حاضرًا في القرار إلى جانب النص والإجراء؛ فكل قرار يمس حياة الناس لا يقاس فقط بما يحققه من تنظيم، وإنما أيضًا بما يتركه من أثر في نفوسهم وحياتهم.
    ولمن هم اليوم في مواقع المسؤولية، ربما يكفي تذكير هادئ بأن مواقع العمل والقرار مراحل في حياة الإنسان، وأن لكل مرحلة نهاية. وسيأتي يوم يغادر فيه كل إنسان مقعده، كما غادره من سبقه، وقد يجد نفسه بين أولئك الذين أصبحوا خارج المسمى الوظيفي، لكنهم لم يخرجوا من دائرة الكرامة والحق. لذلك، فإن أجمل القرارات هي تلك التي يستطيع صاحبها أن ينظر إليها بعد سنوات، من موقع مختلف، فيجد فيها ما يطمئن إليه ضميره. فالمقعد الذي ينتظر الجميع ليس دعوة إلى الخوف من الغد، وإنما دعوة إلى أن نجعل عدالة اليوم شيئًا نفتخر بأننا تركناه لمن يأتي بعدنا.