قراءة في أهداف واشنطن، وحسابات الخرطوم، ومكاسب «صمود»، وحدود التدخل الخارجي
تحليل: أحمد يوسف التاي
تثير الأنباء المتداولة حول تحرك رئيس الوزراء السوداني السابق ورئيس تحالف «صمود» عبد الله حمدوك نحو واشنطن اهتماماً سياسياً واسعاً في السودان، خصوصاً مع الحديث عن دعوة الإدارة الأمريكية له، وربط الزيارة بالرئيس دونالد ترامب.
غير أن القراءة الرصينة تقتضي التمييز بين ما تأكد بالفعل وما لا يزال في دائرة التقارير والتكهنات. فهناك تقارير حديثة تتحدث عن ترتيبات لزيارة حمدوك ووفد من «صمود» إلى الولايات المتحدة..
لكن، بصرف النظر عن الصيغة النهائية للزيارة ومستوى اللقاءات التي ستتم خلالها، فإن مجرد تحرك قيادة «صمود» باتجاه واشنطن يحمل دلالة سياسية مهمة: الملف السوداني يحتل موقعاً متقدماً في الحسابات الأمريكية، والقوى المدنية السودانية تسعى إلى التأثير في الطريقة التي تنظر بها واشنطن إلى مستقبل السودان.
ومن هنا تبدأ الأسئلة الأهم: ماذا تريد واشنطن من حمدوك؟ وماذا تريد من «صمود»؟ وكيف يمكن أن تتعامل الخرطوم مع هذا التحرك؟ وهل تتحول العلاقة الأمريكية مع القوى المدنية إلى مدخل لتدخل أمريكي أكبر في الشأن السوداني؟
واشنطن والسودان: من الوساطة إلى التأثير؟
لم يكن السودان بعيداً عن السياسة الأمريكية في العقود الماضية، لكن طبيعة الاهتمام الأمريكي تغيرت بتغير الظروف.
ففي عهد حكومة حمدوك الأولى، زار رئيس الوزراء السابق واشنطن في ديسمبر 2019 في محاولة لفتح صفحة جديدة في العلاقات السودانية الأمريكية، والبحث في العقوبات والعلاقات الاقتصادية والدبلوماسية.
وفي أكتوبر 2020، ارتبط اسم حمدوك مباشرة بإدارة ترامب في إعلان تطبيع العلاقات بين السودان وإسرائيل.
أما اليوم، فإن المشهد مختلف تماماً.
السودان يعيش حرباً مستمرة، والدولة تواجه تحديات عسكرية وإنسانية واقتصادية عميقة، فيما أصبحت الأزمة السودانية مرتبطة بقضايا البحر الأحمر والقرن الإفريقي والأمن الإقليمي والتنافس الدولي.
ولهذا فإن واشنطن لا تنظر إلى السودان باعتباره أزمة داخلية فقط.
السودان بالنسبة للولايات المتحدة دولة تقع في منطقة استراتيجية، وتؤثر تطوراتها في مجموعة من الملفات الإقليمية والدولية.
ماذا تريد واشنطن من حمدوك؟:
من الصعب الجزم بنوايا الإدارة الأمريكية ما لم تعلنها بصورة رسمية، لكن يمكن استقراء مجموعة من الأهداف المحتملة.
أولها فهم رؤية القوى المدنية السودانية للحل.
فالولايات المتحدة، إذا كانت تبحث عن تسوية سياسية للحرب، تحتاج إلى معرفة تصور القوى المدنية لمرحلة ما بعد وقف القتال، وليس فقط موقفها من أطراف الحرب.
ومن المحتمل أن تسعى واشنطن إلى إجابات عن أسئلة أساسية:
من يستطيع أن يمثل المدنيين؟
هل تستطيع القوى المدنية توحيد صفوفها؟
ما شكل الحكومة الانتقالية المقترحة؟
ما موقفها من المؤسسة العسكرية؟
كيف يمكن التعامل مع قضية الدعم السريع؟
ما الضمانات المطلوبة لعدم عودة الحرب؟
وما شكل الدولة السودانية بعد انتهاء المرحلة العسكرية؟
وبهذا المعنى، قد يكون حمدوك بالنسبة إلى واشنطن نافذة على التيار المدني السوداني أكثر من كونه مرشحاً مفترضاً لمنصب سياسي بعينه.
وهذا تمييز مهم.
فليس بالضرورة أن تكون واشنطن قد قررت أن «حمدوك هو رجل المرحلة»، وإنما قد تكون تريد معرفة ما إذا كان يستطيع أن يكون جزءاً مؤثراً من التسوية المقبلة.
وماذا تريد من «صمود»؟:
تبدو المسألة أكثر تعقيداً بالنسبة إلى التحالف المدني.
فواشنطن قد لا تبحث عن تحالف سياسي سوداني آخر يضاف إلى قائمة التحالفات، وإنما تبحث عن طرف مدني قادر على ترجمة الموقف السياسي إلى مشروع قابل للتنفيذ.
وهنا يبرز الاختبار الحقيقي أمام «صمود».
فالتحالف يستطيع أن يحصل على اهتمام دولي، لكنه يحتاج إلى إثبات قدرته على الحصول على قبول سوداني واسع.
وهناك فرق كبير بين الشرعية الدولية والشرعية الشعبية.
وقد يكون الدعم الأمريكي مفيداً لـ«صمود» في الوصول إلى دوائر صنع القرار، لكنه قد يصبح عبئاً إذا ترسخ انطباع بأن التحالف يستمد وزنه السياسي من الخارج أكثر مما يستمده من الداخل.
ولهذا فإن أفضل ما يمكن أن يخرج به «صمود» من واشنطن ليس مجرد بيان دعم أمريكي، وإنما اعتراف دولي بدور القوى المدنية السودانية مع الحفاظ على استقلال القرار السوداني.
ماذا تريد واشنطن من الخرطوم؟:
قد يبدو غريباً أن تبحث واشنطن عن حمدوك في الوقت الذي تتعامل فيه مع الحكومة السودانية، لكن السياسة الدولية لا تعمل دائماً بمنطق اختيار طرف واحد.
فواشنطن تحتاج إلى التواصل مع القوى المختلفة، لأنها إذا أرادت التأثير في نهاية الحرب، فلا تستطيع تجاهل الجيش، ولا القوى المدنية، ولا القوى الإقليمية المؤثرة.
وقد تكون الرسالة الأمريكية الأساسية هي:
لا يمكن بناء تسوية سودانية مستدامة من خلال الحل العسكري وحده.
وهذا لا يعني بالضرورة أن واشنطن تريد إضعاف الجيش أو إسقاط الدولة، وإنما يعني أن الإدارة الأمريكية قد ترى أن استمرار الحرب يهدد مصالحها ومصالح حلفائها في المنطقة.
وهنا تحديداً ستواجه الخرطوم تحدياً دبلوماسياً.
كيف يمكن أن تكون ردة فعل الخرطوم؟:
من المتوقع أن تنظر الخرطوم بحذر إلى أي لقاء أمريكي رفيع مع حمدوك.
وقد تركز الحكومة على ثلاث نقاط.
الأولى: أن حمدوك لا يمثل الدولة السودانية.
الثانية: أن أي محاولة لمنحه تفويضاً دولياً للتحدث باسم السودان تمثل تجاوزاً للسلطة الوطنية.
والثالثة: أن تحديد مستقبل السودان ينبغي أن يكون شأن السودانيين أنفسهم.
لكن الرد الأكثر فاعلية لن يكون بالضرورة مهاجمة الزيارة.
فالسياسة الخارجية لا تُدار بالاحتجاج وحده.
إذا أرادت الخرطوم التأثير في الموقف الأمريكي، فإن عليها أن تخاطب واشنطن بصورة مباشرة، وأن تقدم تصوراً واضحاً للحل، وتشرح رؤيتها لمستقبل الدولة، وتوضح شروطها للسلام والانتقال السياسي.
فترك الساحة الأمريكية لطرف واحد قد يكون خطأً دبلوماسياً أكبر من الزيارة نفسها.
ماذا سيستفيد حمدوك؟
يمكن أن تمنح الزيارة حمدوك عدة مكاسب.
أولاً، إعادة الحضور الدولي.
ثانياً، رفع الوزن السياسي لتحالف «صمود».
ثالثاً، فتح قنوات اتصال مع المؤسسات الأمريكية وصناع القرار.
رابعاً، طرح رؤية القوى المدنية بشأن وقف الحرب والانتقال السياسي.
خامساً، زيادة فرص إدراج المدنيين في أي تسوية مستقبلية.
لكن هذه المكاسب لا تخلو من مخاطر.
فإذا بدا حمدوك وكأنه يستند إلى واشنطن للحصول على شرعية سياسية داخل السودان، فقد يخسر جزءاً من رصيده الداخلي.
وهنا ستكون معادلة حمدوك دقيقة جداً:
كلما ازداد دعمه الخارجي، أصبح مطالباً بإثبات استقلاله الداخلي.
هل يمكن أن تكون الزيارة مقدمة لتدخل أمريكي أكبر؟
الإجابة الأقرب: يمكن أن تزيد الانخراط الأمريكي، لكن ليس بالضرورة أن تعني تدخلاً عسكرياً.
فالولايات المتحدة تمتلك أدوات عديدة أكثر من القوة العسكرية.
العقوبات، المساعدات، الضغط الدبلوماسي، الوساطة، العلاقات مع الدول الإقليمية، المؤسسات الدولية، والاعتراف السياسي؛ كلها أدوات قادرة على التأثير في مسار الحرب.
وفي فبراير 2026، تحدثت تقارير عن خطة سلام أمريكية للسودان كانت إدارة ترامب تعتزم عرضها على «مجلس السلام» التابع للرئيس، بالتوازي مع العمل داخل الأمم المتحدة.
وهذا مؤشر مهم على أن واشنطن لا تكتفي بالمراقبة، بل تسعى إلى امتلاك أدوات للتأثير في مسار التسوية.
لكن يجب ألا نبالغ في تفسير ذلك.
فالانخراط الأمريكي لا يعني تلقائياً أن واشنطن ستقرر من يحكم السودان.
هناك فارق بين التأثير في التسوية وبين إدارة السودان من الخارج.
الخطر الحقيقي: من الوساطة إلى هندسة المستقبل
الخط الأحمر الذي ينبغي مراقبته هو انتقال الدور الأمريكي من محاولة إنهاء الحرب إلى محاولة تحديد شكل الدولة السودانية بعد الحرب.
فإذا قالت واشنطن: نريد وقف إطلاق النار، حماية المدنيين، وتسهيل التسوية، فهذا يقع ضمن الدور الدولي المعتاد في النزاعات.
أما إذا بدأت في تحديد الشخصيات التي يجب أن تحكم، والأحزاب التي ينبغي أن تشارك، والمؤسسات التي ينبغي إعادة تشكيلها، فإن الأمر يصبح مختلفاً.
عندها لا نتحدث فقط عن وساطة، وإنما عن هندسة سياسية.
وهنا ستكون المخاطر كبيرة على السودان وعلى القوى المدنية نفسها.
التاريخ الإسلامي: حين يستدعي الداخل الخارج
هذه المسألة ليست جديدة في التاريخ.
فالصراعات الداخلية في التاريخ الإسلامي قدمت نماذجا متعددة لتداخل القوى الخارجية في النزاعات الداخلية.
ولا يعني ذلك أن التاريخ يقدم نسخة مطابقة للحاضر، لكن بعض القواعد السياسية تتكرر.
ومن أهمها أن القوة الخارجية لا تدخل صراعاً داخلياً لمصلحة الطرف المحلي وحده، وإنما تدخل وفي ذهنها مصالحها الخاصة.
ويقدم تاريخ الأندلس نموذجاً مهماً.
فبعد سقوط الخلافة الأموية في قرطبة وتفكك الأندلس إلى دويلات الطوائف، أصبح الانقسام الداخلي عاملاً مهماً في إضعاف المسلمين.
واستعانت بعض القوى الإسلامية بالممالك المسيحية ضد خصومها المسلمين، في حساب قصير المدى يقوم على قاعدة: أستعين بالخارج للتغلب على الخصم الداخلي.
لكن القوى الخارجية لم تكن تعمل لمصلحة أصحاب القرار المحليين.
كانت لها مصالحها الخاصة، ونجحت تدريجياً في استثمار الانقسام.
وفي مرحلة لاحقة، استُدعي المرابطون من المغرب لمواجهة الخطر المسيحي، وتمكنوا من إيقاف التوسع المسيحي لفترة، لكنهم انتهوا أيضاً إلى إنهاء استقلال دويلات الطوائف.
ثم جاءت المرحلة الأخيرة من الأندلس، حيث استفادت قشتالة من الانقسامات والصراعات داخل غرناطة، وانتهت الدولة الإسلامية في الأندلس بسقوط غرناطة عام 1492.
ولا يمكن اختزال سقوط الأندلس في عامل واحد، كما لا يصح القول إن الاستعانة بالخارج كانت السبب الوحيد؛ فقد لعبت عوامل عسكرية واقتصادية وسياسية واجتماعية وديموغرافية أدواراً متعددة.
لكن الدرس الذي يمكن استخلاصه واضح:
عندما يتحول الخلاف الداخلي إلى صراع يستدعي الخارج، يفقد الداخل تدريجياً قدرته على التحكم الكامل في النتائج.
السودان ليس الأندلس
ومن الضروري هنا عدم الوقوع في المقارنة التاريخية الميكانيكية.
أمريكا ليست قشتالة، والسودان الحديث ليس الأندلس، وحمدوك ليس أحد ملوك الطوائف، كما أن المؤسسة العسكرية السودانية ليست طرفاً تاريخياً مماثلاً لأي قوة في ذلك العصر.
المغزى من استدعاء التاريخ هو استخلاص قاعدة سياسية، لا إصدار حكم على الأشخاص.
وهذه القاعدة تقول إن الاستعانة بالخارج ليست في حد ذاتها خطأ، لكن الخطأ هو فقدان القدرة على التحكم في شروط الاستعانة ونتائجها.
السودان يحتاج إلى المجتمع الدولي.
ويحتاج إلى الوساطة.
ويحتاج إلى المساعدات.
ويحتاج إلى الدعم الدولي لإعادة الإعمار.
لكنه يحتاج قبل كل شيء إلى أن يظل القرار النهائي بشأن مستقبله سودانياً.
“4” سيناريوهات محتملة:
يمكن تصور أربعة مسارات لزيارة حمدوك:
الأول: زيارة محدودة..
تتم اتصالات سياسية بين حمدوك والمسؤولين الأمريكيين دون تحول جوهري في السياسة الأمريكية.
الثاني: تعزيز موقع القوى المدنية.
تعلن واشنطن بوضوح أكبر ضرورة إشراك المدنيين في التسوية، ما يرفع الوزن السياسي لـ«صمود».
الثالث: مبادرة أمريكية أوسع.
تعمل واشنطن على جمع الأطراف السودانية والإقليمية في مسار تفاوضي جديد.
الرابع: توسع الدور الأمريكي.
تنتقل واشنطن من الوساطة والضغط إلى محاولة التأثير المباشر في ترتيبات الحكم الانتقالي وشكل الدولة بعد الحرب.
والسيناريو الرابع هو الأكثر إثارة للجدل والأكثر خطورة إذا لم يكن قائماً على توافق سوداني واسع.
الخلاصة
زيارة حمدوك إلى واشنطن، سواء جاءت بدعوة رئاسية مباشرة أو في إطار تحرك سياسي لـ«صمود»، تستحق القراءة باعتبارها جزءاً من تطور أكبر في الاهتمام الأمريكي بالسودان.
فواشنطن تريد وقف الحرب، لكنها تريد أيضاً أن تعرف من هم اللاعبون الذين يمكن الاعتماد عليهم في مرحلة ما بعد الحرب.
وحمدوك يريد استعادة موقع القوى المدنية في المعادلة السياسية، بينما يريد «صمود» الحصول على اعتراف دولي بدوره.
أما الخرطوم، فستسعى إلى منع تحول الدعم الدولي لحمدوك إلى تفويض سياسي له على حساب مؤسسات الدولة.
لكن المصلحة السودانية الأوسع تقتضي ألا يتحول التنافس بين السودانيين إلى منافسة بينهم على من يستطيع جلب دعم خارجي أكبر.
فالجيش لا ينبغي أن يبحث عن الخارج ليحسم به الصراع السياسي، والقوى المدنية لا ينبغي أن تبحث عن الخارج ليمنحها شرعية بديلة عن الشرعية الشعبية، وأي طرف مسلح لا ينبغي أن يرى في الدعم الإقليمي طريقاً بديلاً عن التسوية الوطنية.
الدعم الدولي يمكن أن يساعد السودان على الخروج من الحرب، لكنه لا يستطيع أن يصنع سوداناً مستقراً إذا ظل السودانيون عاجزين عن الاتفاق على شكل الدولة التي يريدونها.
وهنا تكمن الخلاصة الأهم:
ليس السؤال ما إذا كان من حق حمدوك أن يذهب إلى واشنطن، ولا ما إذا كان من حق واشنطن أن تستمع إليه.
السؤال هو: هل يستطيع السودانيون أن يستخدموا الاهتمام الدولي لإنهاء الحرب، من دون أن يسمحوا لهذا الاهتمام بأن يتحول إلى وصاية على مستقبلهم؟
هذه هي المسافة الدقيقة بين الاستفادة من الخارج والاعتماد عليه، وبين الدبلوماسية الدولية والتدخل في القرار الوطني.








إرسال تعليق