بقلم/ د. سعاد فقيري
من محولات الكهرباء إلى مشروع أوسع للتنمية.. ابن المنطقة ورئيس كيان الشمال يكتب بالعمل فصلاً جديداً في خدمة أهله
الولاية الشمالية – محلية الدبة – وحدة التضامن الإدارية
ليست الكهرباء مجرد أسلاك ومحولات وأعمدة تقف على جانبي الطرق؛ فحين تنطفئ الكهرباء في قرية، تنطفئ معها مضخات المياه، وتتوقف الزراعة، وتتراجع الخدمات الصحية والتعليمية، وتتجمد حركة الحياة.
ولهذا فإن عودة التيار الكهربائي إلى مناطق عانت طويلاً من العتمة ليست خبراً خدمياً عابراً، وإنما عودة للحياة نفسها.
وفي قرى وحدة التضامن الإدارية بمحلية الدبة، جاء وصول وتركيب محولات كهربائية جديدة ليبعث رسالة مختلفة: أن أبناء المناطق يمكن أن يكونوا جزءاً أصيلاً من الحل، وأن الانتماء الحقيقي لا يقاس بكثرة الحديث عن الوطن، وإنما بما يقدمه الإنسان لأهله وبلده عندما يحتاجونه.
وفي مقدمة هذا المشهد يبرز الأستاذ محمد سيد أحمد سر الختم الجاكومي، ابن المنطقة ورئيس كيان الشمال، الذي اختار أن يجعل من علاقته بأهله ومجتمعه مسؤولية عملية، وأن يترجم حضوره العام إلى مبادرات تمس حياة المواطن مباشرة.
القلاب… من سنوات العتمة إلى عودة النور
في منطقة القلاب، التابعة لوحدة التضامن الإدارية، استقبل الأهالي وصول وتركيب المحول الكهربائي الجديد بالهتافات والتكبير وأهازيج الفرح.
ولم يكن ذلك الفرح من أجل محول كهربائي فحسب، وإنما لأنه يمثل نهاية معاناة طويلة عاشتها المنطقة مع انقطاع التيار.
سنوات من الظلام انعكست على كل تفاصيل الحياة؛ تعطلت المنشآت والخدمات، وتأثرت الزراعة، وتعرضت المحاصيل للخسائر، وأصبحت الأسر تواجه أعباء معيشية إضافية.
واليوم، ومع تركيب المحول الجديد، تعود الكهرباء إلى البيوت والمشروعات الزراعية والخدمات، وتعود معها مساحة من الأمل.
ويقول أحد أعيان المنطقة:
“هذا المحول هو أكبر حدث تشهده المنطقة منذ سنوات.. لقد عانينا من انقطاع دائم وتعطلت الحياة وهلك الزرع، واليوم تعود الروح والنور إلى أرضنا.”
وهذه الكلمات تختصر قيمة ما حدث أكثر من أي خطاب رسمي.
صبورزين… النور لا يتوقف عند حدود بيت
وفي صبورزين، امتدت المبادرة لتؤكد أن القضية ليست حلاً مؤقتاً لمنطقة واحدة، وإنما توجه نحو معالجة أوسع لاحتياجات الكهرباء في عدد من قرى المحلية.
فقد وصلت محولات جديدة إلى عدد من المناطق، ضمن خطة تستهدف رفع كفاءة الشبكة وتوسيع نطاق التغطية، بما في ذلك القلاب والكلوت ومسكرتي والعونية ومناطق أخرى.
وبحسب ما أُعلن ميدانياً، فقد أضيفت محولات جديدة إلى محولات سابقة، في خطوة ترفع عدد المحولات التي تم توفيرها وتركيبها ضمن هذه الجهود، وتفتح الطريق أمام استكمال التغطية في المناطق الأكثر احتياجاً.
وهنا تكمن أهمية المبادرة؛ فالمواطن لا يريد أن يسمع عن التنمية، بل يريد أن يراها في منزله، ومزرعته، ومدرسته، ومركزه الصحي، ومصدر مياه الشرب.
محمد سيد أحمد الجاكومي… ابن المنطقة الذي اختار طريق العمل
قد يختلف الناس في السياسة، وقد تتعدد الكيانات والرؤى، ولكن عندما يتعلق الأمر بالخدمة العامة، فإن المعيار الحقيقي يجب أن يكون واحداً:
ماذا قدمنا للمواطن؟
ومن هذه الزاوية تأتي تجربة محمد سيد أحمد الجاكومي.
فالرجل، بوصفه ابن المنطقة ورئيس كيان الشمال، لم يجعل الانتماء مجرد شعار، وإنما حاول أن يترجمه إلى عمل ومتابعة ومبادرات في الملفات التي تمس حياة الناس.
والأهم أن هذه المبادرات لا ينبغي النظر إليها باعتبارها نهاية الطريق، وإنما باعتبارها بداية لمسار تنموي أكبر يمكن أن يشمل الكهرباء والمياه والصحة والتعليم والزراعة والبنية التحتية وفرص العمل.
فالقرية التي يصلها التيار الكهربائي تصبح أكثر قدرة على الإنتاج، والمزرعة التي تتوفر لها الطاقة تستطيع أن تعمل، والمدرسة التي تستقر فيها الكهرباء تصبح أكثر قدرة على توفير بيئة تعليمية أفضل، والمركز الصحي يستطيع تقديم خدمة أكثر استقراراً.
إذن، المحول الكهربائي ليس قطعة معدات… بل مفتاح لسلسلة كاملة من التنمية.
من الكهرباء إلى التنمية المتكاملة
إن ما يحدث في مناطق وحدة التضامن يجب ألا يتوقف عند تركيب المحولات.
فالمرحلة القادمة ينبغي أن تكون مرحلة استثمار الكهرباء في الإنتاج.
وهنا تبرز الحاجة إلى رؤية متكاملة تقوم على:
دعم المشاريع الزراعية وربطها بالطاقة المستقرة.
تأهيل شبكات المياه ومضخاتها.
تحسين الخدمات الصحية في القرى.
دعم المدارس وتهيئة البيئة التعليمية.
تشجيع الصناعات الصغيرة والمشروعات الإنتاجية.
توفير فرص للشباب وربطهم بمشروعات التنمية المحلية.
إنشاء آليات دائمة لصيانة الشبكات والمحولات.
إشراك أبناء المناطق في حماية المشروعات ومتابعة احتياجاتها.
وبذلك تتحول الكهرباء من مجرد خدمة استهلاكية إلى رافعة اقتصادية واجتماعية حقيقية.
المواطن شريك في حماية ما تحقق
والجميل في هذه المبادرة أن الوعي الشعبي جاء متزامناً مع وصول المحولات.
فقد أكدت اللجان الشعبية في مناطق صبورزين والرملاب والودعاب والهرشاب ضرورة المحافظة على الشبكة، ومنع التوصيلات غير القانونية والتوصيلات العشوائية، وترشيد الاستهلاك، والإبلاغ عن الأعطال والعدادات التالفة.
وهذه رسالة في غاية الأهمية:
ما يُبنى بأموال وجهود الناس يجب أن يحميه الناس.
فلا يمكن أن تنجح أي خطة للكهرباء إذا ظل البعض يتعامل مع الشبكة باعتبارها ملكاً بلا صاحب، أو يقوم بتوصيلات غير قانونية تضر بالشبكة وتعرض حياة المواطنين للخطر.
ومن هنا فإن اللجان الشعبية وأبناء المناطق يمكن أن يكونوا خط الدفاع الأول عن هذه المكتسبات، بالتنسيق الكامل مع الجهات الفنية المختصة.
رئيس كيان الشمال… المسؤولية قبل الموقع
إن رئاسة أي كيان ليست وجاهة اجتماعية ولا لقباً سياسياً.
الرئيس الحقيقي للكيان هو من يستطيع أن يقول لأهله:
أنا معكم عندما تحتاجونني، وأعمل معكم عندما تواجهون مشكلة، وأبحث عن الحل عندما تكون الإمكانات محدودة.
ومن هذه الزاوية، فإن ما يقوم به محمد سيد أحمد الجاكومي في منطقته يستحق التوقف عنده، ليس من باب الأشخاص، وإنما من باب النموذج الذي يمكن أن تقدمه القيادات المجتمعية والوطنية في مرحلة تحتاج فيها البلاد إلى تحويل الطاقات الشعبية إلى مشروعات حقيقية.
وقد لا تحل مبادرة فردية كل مشكلات المنطقة، وهذا أمر طبيعي، لكن قيمة المبادرة أنها تحرك المياه الراكدة وتفتح الباب أمام الدولة والمجتمع والقطاع الخاص وأبناء المنطقة في الداخل والخارج للعمل معاً.
الشكر لكل من جعل النور ممكناً
ولا يكتمل هذا الإنجاز من دون الإشادة بكل الذين شاركوا في إنجازه ميدانياً وفنياً.
التحية للأستاذ خالد يوسف على المتابعة الميدانية، وللباشمهندس محمد أحمد، والباشمهندس صالح جمعة، وشركة منحنى النيل، ولكل المهندسين والفنيين والعمال الذين واصلوا العمل حتى اكتملت عمليات النقل والتثبيت والتركيب.
فهذه المشروعات لا تنجح بشخص واحد؛ وإنما تنجح عندما تتكامل المبادرة والتمويل والهندسة والإدارة والعمل الشعبي.
والرسالة الأهم: لا نريد محولاً فقط… نريد مشروع نهضة
اليوم يفرح أهل القلاب وصبورزين بعودة النور.
وغداً يجب أن يكون السؤال:
ماذا بعد الكهرباء؟
ماذا عن الزراعة؟
ماذا عن المياه؟
ماذا عن المدارس؟
ماذا عن المستشفيات؟
ماذا عن الشباب؟
ماذا عن فرص العمل؟
ماذا عن تحويل قرى الولاية الشمالية إلى مناطق إنتاج حقيقية؟
هذه هي المرحلة التي ينبغي أن ينتقل إليها العمل.
فالشمال لا يحتاج إلى شعارات كثيرة، وإنما يحتاج إلى مشروعات تُرى نتائجها على الأرض.
وإذا كان تركيب محول كهربائي قد أعاد النور إلى قرية، فإن الطموح الأكبر أن تتحول هذه المبادرات إلى مشروع تنموي متكامل يعيد الحياة إلى الريف الشمالي، ويثبت أن المواطن يستطيع أن يصنع الفرق عندما تتوفر الإرادة والقيادة والتعاون.
وفي النهاية، يبقى أجمل ما في قصة القلاب وصبورزين أن أبناء المنطقة لم يحتفلوا بمحول كهربائي فقط؛ بل احتفلوا بعودة الأمل.
وهنا تحديداً يصبح الانتماء فعلاً، وتصبح القيادة خدمة، ويصبح النور بداية لا نهاية.
محمد سيد أحمد الجاكومي… ابن المنطقة ورئيس كيان الشمال، حين اختار أن يتحدث عن أهله بلغة يعرفها المواطن جيداً: لغة العمل والإنجاز.









إرسال تعليق