محوّل المحولات؟..قراءة في بيان تدشين المحول القومي وسؤاله الغائب

  • بتاريخ : 7 أغسطس، 2026 - 2:24 م
  • الزيارات : 16
  • بقلم / عمر سيد احمد
    “باحث في الاقتصاد السياسي السوداني | خبير مصرفي ومالي مستقل”

    دشّن بنك السودان المركزي، يوم الخميس 6 أغسطس 2026، ما وصفه بيانه الرسمي بأنه “محطة استراتيجية في مسار التحول الرقمي بالقطاع المصرفي”: إعادة تشغيل خدمات المحول القومي بعد توقف امتد لأكثر من ثلاثة أعوام منذ اندلاع الحرب في 2023. حضر التدشين النائب الأول لمحافظ بنك السودان المركزي المعتصم عبدالله أحمد، ومدير عام شركة الخدمات المصرفية الإلكترونية (EBS) سيف الدين حسن بري. وشهدت “المرحلة الأولى”، بحسب وصف البيان، تنفيذ أول عملية سحب نقدي ناجحة عبر جهاز صراف آلي، وذلك، في صياغة البيان الحرفية، “بربط المحوّل الخاص ببنك أمدرمان الوطني ليصبح أول مصرف ينضم إلى المنظومة الجديدة، ضمن خطة تستهدف ربط جميع المصارف العاملة في البلاد.”
    وهنا نسأل: ما الجديد في هذا الاحتفال طالما أن محوّل بنك أمدرمان وحده هو الذي قام بالربط بالمحول القومي، وبالتالي فإن البطاقة الساحبة وجهاز الصراف الآلي كليهما يتبعان لبنك أمدرمان؟ وفي هذه الحالة، ما دور المحول القومي أصلًا؟ ألم يكن من الممكن والطبيعي أن يربط بنك أمدرمان كل صرافاته بمحوّله الخاص، ويجري تسوية سحوبات بطاقاته على صرافاته داخليًا (On-Us) دون الحاجة للمرور بالمحول القومي، الذي يأتي دوره فقط إذا كان هناك بنك آخر طرفًا في العملية؟ ألم يكن من الأجدى انتظار ربط بنكين أو أكثر فعليًا بالمحول القومي قبل الاحتفال؟ وبعبارة أوجز: هل مرّت هذه العملية المحتفى بها بالمحول القومي أصلًا؟ وإن كانت الإجابة نعم، فما الداعي لذلك طالما أن الصراف والبطاقة يتبعان للبنك نفسه؟
    هذه الجملة الأخيرة، على إيجازها، تستحق وقفة: فالبيان لم يقل “رُبط بنك أمدرمان الوطني بالمحول القومي”، بل قال إن الذي رُبط هو “المحول الخاص” العائد لذلك البنك. وهذه في الواقع ليست صياغة طارئة أو مفاجئة؛ فالربط عبر محولات خاصة ببعض البنوك الكبرى نمط معروف كان قائمًا في السودان قبل الحرب. لكن توقيت هذا الإعلان، أي بعد أسابيع قليلة من ترخيص عشر شركات محولات خاصة مستقلة (العسجد وأخواتها)، يفتح سؤالًا مختلفًا تمامًا عن مجرد “هل هذا جديد؟”: هل يستمر المحول القومي في أداء دوره المزدوج التاريخي كما كان قبل 2023، أم أن هناك اتجاهًا لتحويله إلى محوّل محولات بحت، تتولى فيه شركات خاصة حديثة الترخيص وظيفة ربط مجموعات كاملة من البنوك بدلًا من الربط المباشر الذي كانت تؤديه EBS؟
    ما يقوله البيان، وما لا يقوله
    قبل الذهاب أبعد، يجب الفصل بدقة بين ما ورد صراحة في التغطية المتاحة للحدث، وما هو استنتاج يحتمل الصواب والخطأ.
    المؤكد:
    الحدث وقع فعليًا في 6 أغسطس 2026، بحضور رسمي رفيع (نائب أول للمحافظ ومدير عام EBS).
    أول عملية تشغيلية فعلية كانت سحبًا نقديًا عبر صراف آلي تابع لبنك أمدرمان الوطني.
    العملية التي جرت كانت تحديدًا ربطًا بين “محوّل بنك أمدرمان الوطني الخاص” و”المحول القومي للقيود”، بتصريح مباشر من المتحدثين أنفسهم في الحدث، لا ربطًا مباشرًا بين النظام المصرفي الأساسي للبنك (Core Banking System) والمحول القومي.
    الخطة المعلنة تستهدف “ربط جميع المصارف العاملة في البلاد”، دون تحديد الآلية التقنية لذلك.
    لكن هذه الواقعة، بحد ذاتها، ليست جديدة كما قد توحي صياغة البيان الاحتفالية. فالربط بين محوّل خاص ببنك والمحول القومي نمط معروف وقائم في السودان منذ ما قبل الحرب، لا ابتكارًا طارئًا بعدها.
    الوضع كما كان قبل الحرب
    عدد محدود من البنوك السودانية الكبرى، أبرزها أمدرمان الوطني، والخرطوم، وفيصل الإسلامي، وبنك السلام، والبركة، كانت قد طوّرت لنفسها محولات داخلية خاصة بها، وهذه المحولات هي التي تتصل بالمحول القومي، لتربط بدورها عملاء ذلك البنك ببقية الجهاز المصرفي. أما أغلبية البنوك السودانية، التي لا تملك محولًا داخليًا خاصًا بها، فكانت ترتبط ببعضها بعضًا مباشرة عبر المحول القومي دون أي طبقة وسيطة. هذا هو الوضع الذي كان قائمًا قبل توقف الخدمة إثر اندلاع الحرب في 2023، وهو ما يعني أن ربط محوّل أمدرمان الوطني في 6 أغسطس 2026 ليس تحولًا معماريًا جديدًا، بل استعادة لجزء من بنية كانت قائمة أصلًا.
    السؤال الذي يستحق أن يُطرح إذن ليس “هل عاد الوضع كما كان؟”، بل: هل سيستمر الوضع على ما كان عليه فعلًا؟ أم أن هناك اتجاهًا جديدًا، تلمّح إليه موجة ترخيص عشر شركات محولات خاصة في يوليو 2026 (العسجد وأخواتها)، لتحويل طبيعة المحول القومي نفسه من نظام يؤدي وظيفتين معًا، وهما ربط البنوك التي تملك محولات خاصة بها من جهة، والربط المباشر بين بقية البنوك من جهة أخرى، إلى نظام يؤدي وظيفة واحدة فقط: ربط المحولات ببعضها (محوّل محولات بحت)، بينما تتولى هذه الشركات الخاصة المرخصة حديثًا وظيفة ربط مجموعات من البنوك التي كانت تعتمد على الربط المباشر عبر EBS؟
    لماذا يهم هذا السؤال تحديدًا؟
    الفارق بين استمرار الوضع القديم وبين حدوث هذا التحول ليس تقنيًا بحتًا، بل يمس جوهر دور EBS ووظيفتها السيادية:
    الاحتمال الأول: استمرار الوضع كما كان قبل الحرب دون تغيير جوهري. البنوك القليلة صاحبة المحولات الخاصة (أمدرمان الوطني، الخرطوم، فيصل، البركة) تُعاد ربطها بالمحول القومي واحدًا تلو الآخر، بينما تستمر بقية البنوك، وهي الأغلبية، في الارتباط ببعضها مباشرة عبر EBS دون وسيط، تمامًا كما كان الحال قبل 2023. في هذه القراءة، ما جرى مع أمدرمان الوطني مجرد أول خطوة في استعادة شبكة كانت قائمة، ولا شيء أكثر من ذلك.
    الاحتمال الثاني: تحوّل تدريجي لدور EBS نفسها من “محول يربط البنوك” إلى “محول يربط المحولات فقط”. فإن كانت الخطة الفعلية أن تنتقل وظيفة ربط مجموعات البنوك التي لا تملك محولًا خاصًا، وهي الوظيفة التي كانت EBS تؤديها مباشرة لعقود، إلى الشركات العشر المرخصة حديثًا، فإن ذلك يعني عمليًا أن دور EBS السيادي التاريخي (الربط المباشر بين معظم البنوك) يتقلص لصالح طبقة خاصة وسيطة جديدة، بينما يقتصر دور المحول القومي على الربط بين “محولات”، بعضها بنكي داخلي، وبعضها الآخر قد يكون شركات تشغيل مستقلة. هذا السيناريو، إن صحّ، يستحق تسمية أدق من “استئناف الخدمة”: إنه إعادة هيكلة لموقع القطاع الخاص في قلب البنية السيادية للمدفوعات، لا مجرد إصلاح فني.
    التمييز بين الاحتمالين لا يمكن حسمه بالاستدلال من واقعة واحدة (ربط أمدرمان الوطني)، لأنها متسقة مع الاحتمالين معًا: فقد تكون ببساطة الخطوة الأولى في استعادة الوضع القديم، وقد تكون في الوقت نفسه أول ظهور عملي لبنية جديدة يتكشف اتجاهها فقط حين تُربط بقية البنوك، وحين يتضح ما إذا كانت الشركات العشر المرخصة ستتولى فعليًا ربط أي مجموعة من البنوك بديلًا عن الارتباط المباشر بـEBS.
    السؤال الذي يفرض نفسه على البيان
    الخلاصة العملية لهذا التحليل ليست اتهامًا ولا تبرئة، بل صياغة السؤال الذي غاب عن بيان التدشين نفسه رغم أنه السؤال الوحيد الذي يهم فعليًا:

    هل سيستمر المحول القومي في أداء وظيفته المزدوجة التاريخية، أي الربط مع البنوك صاحبة المحولات الخاصة، والربط المباشر بين بقية البنوك، كما كان الحال قبل الحرب؟ أم أن ترخيص عشر شركات محولات خاصة في يوليو 2026 يمهّد فعليًا لتحويل EBS إلى محوّل محولات بحت، تتولى فيه هذه الشركات وظيفة ربط مجموعات من البنوك التي كانت تعتمد تاريخيًا على الربط المباشر عبر المحول القومي؟

    يتفرع عن هذا خمسة أسئلة عملية لا تقل إلحاحًا:
    هل ستُربط بقية البنوك، وهي الأغلبية التي لا تملك محولًا داخليًا خاصًا بها، مباشرة بـEBS كما كان الحال قبل الحرب، أم أن بعضها سيُوجَّه للارتباط عبر إحدى شركات المحولات العشر المرخصة حديثًا بدلًا من الربط المباشر؟
    ما الوضع الحالي بالتحديد لشركات المحولات المالية الخاصة العشر (العسجد، وبرايت تكنولوجيز، ونهضة للتقنية، وسودا بوست، وست شركات أخرى)؟ هل ما تزال جميعها خارج بنية المحول القومي كليًا كما اقتضى قرار إلغاء ترخيص العسجد في يوليو 2026؟ أم أن بعضها أصبح أو سيصبح طرفًا فعليًا في ربط مجموعات من البنوك؟
    وإن تحقق فعلًا مسار “محوّل المحولات”، فهل تخضع هذه الشركات الوسيطة الجديدة لنفس المعايير الرقابية (اختبارات الاختراق، شهادات الأيزو، خطط التعافي من الكوارث، الفصل بين الملكية والتشغيل) التي كان يُفترض أن تحكم عمل أي جهة تتوسط تدفقات الأموال بين البنوك السودانية، والتي لم يصدر بها حتى الآن قانون نظم دفع شامل؟
    ما وضع البنوك التي لا تملك محولات خاصة؟ هل تستطيع الاستمرار في استخدام صرافاتها وبطاقاتها، وربط نقاط البيع المرتبطة بحساباتها، في عمليات السحب والشراء كما هي، أم يتحتم عليها إما شراء محوّل خاص بها أو الارتباط عبر العسجد وأخواتها؟ علمًا بأن إعادة تشغيل محوّل EBS وحدها استغرقت أكثر من ثلاث سنوات.
    وما زلنا نطالب بضوابط ومعايير واضحة لتشغيل المحولات الخاصة، سواء كانت مملوكة لبنك واحد أو لشركات كالعسجد، تشمل: قوانين حماية المعلومات، وضوابط تفصيلية للحماية والتأمين، وقواعد استمرارية الأعمال ودرء الكوارث، وضوابط الربط البيني والتسويات وفض المنازعات، وحماية العميل والنظام المصرفي ككل. فالمطلوب إجراءات تشغيلية تحمي البنوك والعملاء والتجار من أي استغلال محتمل لهذه المحولات الخاصة التابعة لشركات القطاع الخاص.
    إن محاولة بنك السودان المركزي التملص من مسؤولية تشغيل المحول القومي كما كان الحال قبل الحرب، وإلقاء هذه المسؤولية على شركات في القطاع الخاص، يجعل هذه الشركات تسيطر على معلومات سيادية دون وجود آليات فعالة للإشراف أو الرقابة عليها؛ وأبلغ دليل على ذلك أن ترخيص شركة العسجد مُنح ثم أُلغي في الأسبوع ذاته. هذا الوضع يعرّض القطاع المالي لأخطر أزمة يصعب علاجها لاحقًا.
    إلى أن يصدر عن بنك السودان المركزي أو EBS توضيح رسمي وشامل لهذه الأسئلة، يبقى بيان التدشين، رغم أهميته كخطوة إيجابية موثّقة في استعادة خدمة غاب عنها المواطن السوداني لثلاث سنوات، بيانًا احتفاليًا لا يحسم السؤال الأهم: هل نحن أمام استعادة بسيطة لما كان قائمًا، أم أمام إعادة تعريف صامتة لدور المحول القومي نفسه؟ وهو أول اختبار حقيقي لمدى التزام الإدارة الجديدة بمبدأ الشفافية الذي طالبت به هذه السلسلة من المقالات مرارًا في سياق قضية العسجد.