ذإن أريد إلا الإصلاح! || محجوب مدني محجوب
الناس حيال المواقف أربعة:
الأول وهو أفضلها على الإطلاق وهو من يكسب الأشخاص والمواقف معا، وهنا لا يعني بالضرورة أن يكون الأشخاص على صواب بل قد يكونون مخطئين، ومع ذلك يكسبهم صاحب الموقف الصحيح، ويجعلهم جنبا إلى جنب مع موقفه الصحيح.
ولعل هذا المعنى يتجلى في الحديث الشريف: عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال رسول الله ﷺ: “انْصُرْ أخاكَ ظالِمًا أوْ مَظْلُومًا”. فقالَ رَجُلٌ: يا رَسولَ اللَّهِ، أنْصُرُهُ إذا كانَ مَظْلُومًا، أفَرَأَيْتَ إذا كانَ ظالِمًا، كيفَ أنْصُرُهُ؟ قالَ: “تَحْجُزُهُ -أوْ تَمْنَعُهُ- مِنَ الظُّلْمِ؛ فإنَّ ذلكَ نَصْرُهُ” .
ففي هذا الحديث تجلى المعنيان بمعنى أن تنصر المظلوم، وهذا يمثله اكتساب الموقف، ومعنى نصرة الظالم، وذلك بمنعه عن الظلم وهذا يمثله كسب الأشخاص، ولعل حينما يشعر الظالم بأنه انتصر دل ذلك على كسبه ودل على عدم معاداته أو خسرانه.
النوع الثاني وهو أقل درجة من النوع الأول من حيث الفضل وهو النوع الذي يجعل كل همه في كسب المواقف، ولا يكترث كثيرا لكسب الأشخاص أو الحكومات أو أي جهة تتعارض مع الحق، ولعل هذا النوع يمثله الصحابي الجليل أبوذر الغفاري رضي الله عنه وهو إن كان ينافح ويدافع عن الحق إلا أنه لم يكن يكترث لكسب جهة ما من الجهات، فقد وصفه رسولنا الكريم بأنه وحيد في كل مواقفه، ولم يقل عنه عليه الصلاة والسلام أنه على خطأ.
النوع الثالث وهو يحتمل أن يكون على خطأ، ويحتمل أن يكون على صواب، وهو ذلك الموقف الذي يكترث ويهتم بالأشخاص سواء كانوا حكومة أو غيرهم، فهو معهم إن أحسنوا أحسن وإلا فلا ، وهذا النوع نهى عنه رسولنا الكريم حين قال “لا تَكونوا إمَّعةً، تقولونَ: إن أحسنَ النَّاسُ أحسنَّا، وإن ظلموا ظلَمنا، ولَكن وطِّنوا أنفسَكم، إن أحسنَ النَّاسُ أن تُحسِنوا، وإن أساءوا فلا تظلِموا .
النوع الرابع وهو أسوؤهم على الإطلاق وهو ما يطلق عليه بالمفسد في الأرض هو الذي لا يحمل الموقف الصواب وفي نفس الوقت الكل ساخط عليه.
إن هذه الأنواع الأربع تمثل معيار الصلاح، فمن كسب الأشخاص مع تمسكه بمبادئه، فهذا قد بلغ الحسنيين، فهو قد صلح وأصلح، ومن اكتفى بالصلاح فقط، فهو قد بلغ درجة من الفلاح إلا أنه سيظل هذا الصلاح ناقصا إذ أن الصلاح الحقيقي هو صلاح المجتمعات.
ومن اكتفى بأن يتابع الناس، فهذا لا أثر له، فهو يحسن حينما يكون الإحسان، ويفسد حينما يكون الإفساد.
أما الفاسد فقد أعلن القرآن بمحاربته وبنفيه من الوجود في قوله تعالى:
(إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدِّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [المائدة: 33]. [1].
فلتتظر كل جماعة وكل فرد أين موقعه من الأنواع الأربع.











إرسال تعليق