نبض للوطن || أحمد يوسف التاي
(1)
ما تجلت الآثار الضارة للحروب ، وندوبها القاتلة في بلد من بلدان العالم مثلما تجلت في السودان، وما فتَّتْ في عضدِ دولةٍ مثلما فعلت فيه ..وما أضرت بلادًا في العالم مثلما أضرت هذي البلاد النحسة المنكوبة.. وما أنهكت الحروب شعبًا في الكون وأحالته من صاحب يدٍ عليا إلى متسول يتلمظ قوافل الإغاثة مثلما فعلت للشعب السوداني..وإذا لم يغلق السودان باب الحروب إلى الأبد في هذه السانحة التي حانت الآن، فيا لبؤس الحاضر وبئس المصير..
(2)
ما رزأت الحروب شعبًا بالتخلف والتراجع في الأخلاق والقيم والسلوك والتراجع في الإنتاج وأقعدته عن التطور والنهوض مثلما رزأت هذا الشعب، فجعلته الشعب الوحيد في المنطقة الذي ماضيه أفضل من حاضره..فقد كان ماضيه وهو يرزح تحت نير الإستعمار، وقيود الإحتلال أفضل من حاضره وهو (حُر) يسبح في مستنقعات الدماء والفساد والغدر والتآمر، وهو يتقلب فوق جراحه ، ألم أقل أن ما فعلته الحروب في السودان وشعبه لم تفعله في دولة ولاشعب آخر..
أروني بالله عليكم شعبًا في العالم يوجد من بينه من يحِنُ إلى أيام الإستعمار ويُمجدها، لما يلاقيه من حاضرٍ بئيس، متجهمًا ينذر بالخطر في كل آن.. يمجدون عدالة القضاء الاستعماري، وإتقان العمل لدى الموظفين والمسؤولين أيام الإنجليز وصدق مقالهم، فهل نلومهم وهم يعيشون هذا الواقع المرير؟!…ألم تكن هذه أكبر مفارقة في تأريخ الشعوب، وهل سيكون هذا لولا الحروب..
(2)
الحقيقة التي لاتقبل المغالطات والمزايدات أن كل أزمات السودان التي أقعدته، ومزقته ، وكل أمراضه المستعصية، كان وراءها الحروب …
الحروب التي بدأت منذ العام 1955 ، أي قبيل الإستقلال بعام واستمرت حتى يومنا هذا، كانت السبب في أن تختنق البلاد ذات الموارد الضخمة بدماء شعبها، وتغوص في أوحال الفساد والتخلف ، وتغرق في أزماتها السياسية ولاتقوى على النهوض، وبدلًا من أن تكون اليد العليا في إغاثة الشعوب المنكوبة، أصبحت بلادنا أكبر مستقبِل للإغاثات…الإغاثات التي باتت مرتعًا خصبًا ل” الذباب” لا يهشه أحد، ولا يردعه أحد، يتزاوج عليها ويبيض ويفرخ عليها بينما يُحرم منها مستحقون ..ولا حول ولاقوة إلا بالله، وحسبنا الله ونعم الوكيل…اللهم إليك المشتكى، وإليك المصير..
(3)
أعود وأقول كل أزماتنا ونكباتنا وأيامنا النحسات إرتبطت بالحروب، فهي حبلها السري الذي يغذيها، وهي تربتها الخصبة التي تقف عليها، وهي مناخها الذي يمدها بكل عناصر البقاء والنمو والتمدد، وهي – أي الحروب- التي توفر غطاء الفساد والفوضى، لذلك رغم مرارتها وأوجاعها نجد من يتمنى ان يطول أمدها ليكنز السحت والذهب والفضة..
أنا لا أشك لحظة في أن النخب السياسية والعسكرية التي تتبادل كراسي السلطة ، لا أشك في أنها لاتعرف أن الحروب التي خاضها السودان هي سر القعود والبؤس – إي والله – ويعرفون أكثر مما أعرف أن إيقاف الحروب هو مفتاح النهضة والرخاء ووضع السودان في مصاف الدول الكبرى، ويعرفون أن بالإمكان إيقاف الحروب وهم يتحكمون في شفرتها إلا أن بعضهم لايريد هذا لأن قفل “بلف” الحرب سيجفف منابع “السحت”، الذي أدمنه هذا البعض ، ويغلق أبواب المصالح الخاصة، ويزيل “الغشاء” الذي يحجب الحقائق، ويقشع سحب الضباب والتضليل والفساد..
وتبقى حقيقة أخرى لا اعتقد أن أحدًا يجهلها، وهي أن تمزيق السودان هي رغبة دول كبرى ارتبطت مصالحها بمصالح متآمرين وعملاء بالداخل ، فصار هدفهما هو تنفيذ مخطط تقطيع السودان وتفكيكه وإضعافه…ألم يكن هذا وحده كافيا لإغلاق شفرة حروب السودان للأبد، وقفل (البلف) بشكل نهائي وبأي ثمن..
(4)
إيقاف الحرب ليس أمرًا مستحيلًا، ولا عسيرًا..فقط أبعدوا من طريق السلام كل جهة لها مصالح مرتبطة باستمرار الحرب، سواءً أكان لها ارتباط بالداخل أو الخارج، أو كانت أجندتها خارجية أو داخلية.. ولابد لكل الأطراف السودانيةأن تقدم بعض التنازلات الممكنة مالم يكن هذا التنازل يمس الأمن القومي وسيادة الدولة ورهن إرادتها للخارج.
(5)
كثير من شبكات الفساد، وتحالفات مراكز المال والقوة والنفوذ، وأصحاب الأجندة المشبوهة المرتبطين بالخارج، والجواسيس يعشقون الضباب الذي تخلفه الحروب، ويطربون لغبار المعارك الذي يحجب الرؤية، ولايقوون على الفطام من أجواء الفوضى، لإرتباطها بمصالحهم ، لذلك تجدها كل تلك الجهات أشد ضراوة في مماهضة أي فرصة للسلام وإيقاف الحروب..
بعض الجهات تدعو سرًا لاستمرار الحروب لما توفره من أجواء تغيب فيها سيادة القانون وهيبة الدولة والرقابة، والمحاسبة…
انتبهوا لكل هذا وإن تخَفَّى وراء الأقنعة والأكمه والكدمول، والابتسامات الصفراء، ورداء الوطنية المزيف…..اللهم هذا قسمي فيما املك..
نبضة اخيرة:
ضع نفسك دائمًا في الموضع الذي تحب أن يراك فيه الله، وثق أنه يراك في كل حين.











إرسال تعليق