استراتيجيات حوكمة التعليم العالي في دول اللجوء ومناطق النزاعات: رؤية للتحول النوعي وضبط الجودة الأكاديمية

  • بتاريخ : 12 يوليو، 2026 - 5:29 م
  • الزيارات : 32
  • بقلم/  البروفيسور إشراقة بشير محمد الحسن محجوب
    “جامعة النيلين – باحثة في استراتيجيات التعليم العالي والبحث العلمي”
    مقدمة تمهيدية: ربط الواقع بالبدائل العملية
    في ضوء التقييم النقدي لواقع مراكز التعليم العالي في دول اللجوء، وما أفرزته من فجوات في الجودة الأكاديمية وضغوط على سمعة الشهادة الجامعية السودانية، يصبح الانتقال من مرحلة “التشخيص” إلى مرحلة “صناعة الحلول” ضرورة حتمية لا تحتمل التأجيل. إن تجاوز هذه الأزمة الاستثنائية يتطلب تبني نماذج مرنة وغير تقليدية قادرة على التوفيق بين الظروف المعقدة للطلاب في مناطق النزاعات والحروب — مثل السودان، وأوكرانيا، وبعض الدول الإفريقية الأخرى التي تعاني من النزاعات — وبين المعايير الأكاديمية الصارمة التي تضمن رصانة الخريج وجاهزيته لسوق العمل.
    ومن أبرز النماذج الإقليمية التي يمكن الاستلهام منها وتكييفها مع السياق السوداني الحالي، هي التجربة الرائدة والمتميزة التي قادتها هيئة الجامعات النيجيرية (NUC) بالتعاون مع المجلس الطبي النيجيري؛ حيث صممت هذه الجهات برنامجاً أكاديمياً وهيكلياً متكاملاً ومحكماً استهدف خصيصاً الطلاب الذين اضطرتهم الظروف للدراسة في دول ومناطق النزاعات والحروب.
    وقد ارتكز هذا البرنامج على ركيزتين أساسيتين: أولاً، الجانب المعرفي النظري الذي يتم التركيز فيه على سد الفجوات الأكاديمية وضمان استيعاب المناهج الأساسية. وثانياً، الجانب العملي والسريري (الإكلينيكي) الذي يُنفذ بالكامل داخل مستشفيات جامعية مؤهلة ومعتمدة، وتحت إشراف مباشر من أساتذة واستشاريين متخصصين، بواقع ستة أسابيع (شهر ونصف) لكل تخصص أو مادة رئيسية.
    ولم يقتصر هذا النموذج الحاكمي على القطاع الطبي فحسب، بل جرى تطبيقه وتعميمه بنجاح على كافة التخصصات والبرامج الأخرى مثل الهندسة والعلوم الإنسانية. والجدير بالذكر أن التجربة النيجيرية لم تكتفِ بالجانب التأهيلي فقط، بل عززت ذلك بـاعتماد امتحان وطني شامل لضمان وضبط جودة المخرجات التعليمية، والتأكد من استيفاء الطلاب لكافة المعايير المهنية والأكاديمية المطلوبة قبل الانخراط في سوق العمل.
    إن هذا النموذج يمثل خارطة طريق عملية يمكن لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي السودانية، والجهات التنظيمية ذات الصلة، استصحابها وإعادة هندستها لتتناسب مع واقع الطلاب السودانيين. ولتحقيق التوازن بين ضبط الممارسات الأكاديمية وضمان مواءمة المخرجات مع سوق العمل، نقترح هيكلة منهجية تستند إلى “مبدأ الحوكمة والتحول النوعي” عبر المحاور الإستراتيجية التالية:
    أولاً: ضبط الممارسات الأكاديمية (إطار الحوكمة)
    للانتقال من مفهوم “المراكز المؤقتة” إلى “الكيانات المعتمدة”، يجب تفعيل إجراءات رقابية صارمة تشمل محاور أساسية تنظم العملية التعليمية في الخارج:
    اعتماد المعايير الوطنية للتعليم عن بُعد والمدمج: يجب خضوع جميع المراكز لبروتوكول “الجودة الموحدة”، حيث تلتزم كافة المؤسسات بمعايير هيئة ضمان الجودة السودانية، مع ربط استمرارية الترخيص بمراجعات دورية للأداء.
    إنشاء مرصد رقابي للتعليم في الخارج: تفعيل دور “إدارة التعليم العالي بالخارج” لتعمل كجهة رقابية وليس فقط كجهة تنسيقية، بحيث يتم تقييم المناهج، الكوادر، والبيئة التقنية، وإغلاق المراكز التي لا تستوفي الحد الأدنى من المعايير الأكاديمية.
    مركزية الشهادات الجامعية: لا تُمنح الشهادة الجامعية إلا بعد اجتياز “امتحان الكفاءة الوطني” أو “الامتحان المهني التخصصي”، مما يضمن أن الطالب خريج جامعة حقيقية وليس مجرد منتسب لمركز تجمعي، وبذلك يتم حماية سمعة الشهادة من التزوير أو التدني النوعي.
    ثانياً: مواءمة المخرجات مع سوق العمل (التحول النوعي)
    لضمان ألا تظل هذه المراكز “خصماً” على سمعة التعليم، يجب إعادة هندسة وظيفتها لخدمة المتطلبات المهنية الحقيقية من خلال آليات مرنة تواكب العصر:
    التحول نحو “التعليم المهني التخصصي”: بدلاً من الاكتفاء بالبرامج الأكاديمية التقليدية التي تتطلب مختبرات قد تفتقر إليها تلك المراكز، يمكن تحويلها إلى مراكز للتدريب التطبيقي والمهني المرتبط باحتياجات سوق العمل في دول اللجوء (مثل تكنولوجيا المعلومات، الرعاية الصحية، وإدارة المشاريع).
    اتفاقيات الربط مع قطاع الأعمال: عقد شراكات إستراتيجية مع مؤسسات القطاع الخاص في دول المهجر والشركات العالمية، لتصميم برامج تدريبية قصيرة ومكثفة (Micro-credentials) تمنح الخريجين مهارات قابلة للتوظيف فوراً، بدلاً من التركيز فقط على الجانب النظري.
    نموذج “الجامعة الشاملة” (The Hub Model): تطوير المراكز لتكون “محطات عبور” (Learning Hubs) توفر مساقات مشتركة مع جامعات دولية مرموقة، مما يرفع من جودة المحتوى التعليمي ويجعل الطالب السوداني في الخارج ضمن دائرة المنافسة العالمية، وليس معزولاً في بيئة تعليمية مغلقة.
    رؤية استشرافية
    إن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذه “المراكز” من مجرد وحدات إدارية تعاني من ضغوط البقاء، إلى كيانات معرفية ومهنية متطورة ورصينة. إن تطبيق هذه الرؤية الإستراتيجية سيساهم بشكل مباشر في إعداد وتأهيل الكوادر البشرية المؤهلة التي يقع على عاتقها الدور الأكبر في قيادة عملية إعادة الإعمار والتنمية في السودان مستقبلاً.