بقلم / م.اسماعيل بابكر
الخبير الدولي للأمن السيبراني وحماية الشبكات
خلال النزاع القائم في السودان تحولت التكنولوجيا الرقمية وأدوات الاستخبارات مفتوحة المصدر إلى وسائل دفاعية ورقابية حاسمة لكشف التحركات والمعسكرات وخطوط الإمداد التي تُدار ضد الدولة السودانية والمواطنين.
لعبت الأقمار الصناعية ومنصات التواصل الاجتماعي مثل تيك توك (TikTok) أدواراً متكاملة حيث توفر الأولى الأدلة الجغرافية الثابتة بينما توفر الثانية التوثيق الميداني المباشرالذي يدعم هذه الأدلة.
أولاً: دور الأقمار الصناعية (الرقابة من الأعلى)
تعتمد مراكز الأبحاث الدولية، والجهات الحكومية، والمنصات التحقيقية (مثل مختبر ييل للبحوث الإنسانية ووحدات التحقيق الرقمي) على صور الأقمار الصناعية التجارية عالية الدقة لرصد ما يجري على الأرض بدقة:
كشف معسكرات الإمداد العابرة للحدود:
نجحت الأقمار الصناعية في رصد وتوثيق معسكرات نشطة وقواعد لوجستية تُستخدم لدعم المليشيا في مناطق حدوديةمثل المواقع العسكرية المكتشفة في الصحراء الليبية بالقرب من الحدود السودانية ورصد تدفق شاحنات النقل ومركبات الدفع الرباعي والمساحات الممهدة للتخزين.
رصد التحركات على الحدود الإقليمية: تُستخدم الأقمار الصناعية لمراقبة أي بناء عسكري غير معتاد أو معسكرات ضخمة مستحدثة بالقرب من الحدود (مثل الحدود الشرقية أو الغربية) مما يعطي إنذاراً مبكراً بالتحركات الميدانية.
توثيق الانتهاكات وتدمير القرى:
ساعدت الصور الفضائية الحرارية والبصرية في رصد حرق القرى بالكامل في دارفور وكردفان وتتبع حفر المقابر الجماعية ومحاولات إخفاء أدلة المجازر (كما حدث في محيط الفاشر)، مما يفضح زيف الروايات التي تحاول التغطية على هذه الجرائم.
ثانياً: دور منصة “تيك توك” (الاستخبارات مفتوحة المصدر)
على الجانب الآخر يمثل “تيك توك” مصدراً غنياً للمعلومات الاستخباراتية العفوية التي يبثها المقاتلون أنفسهم، وهو ما يُعرف رقمياً بـالاستخبارات الجغرافية المكانية للمدنيين والمحققين:
فضح المواقع عبر “الميتا داتا” والتوثيق البصري:
يقوم العديد من عناصر المليشيات أو المرتزقة بتصوير مقاطع فيديو متباهية داخل معسكرات التدريب، أو أثناء السير في خطوط الإمداد، مستخدمين أغاني حماسية أو “تريندات” معينة. المحققون الرقميون يقومون بتحليل هذه المقاطع:
تحديد معالم الأرض (تلال، أشجار، مباني مميزة، أبراج اتصالات).
مطابقة هذه المعالم مع صور الأقمار الصناعية لتحديد الإحداثيات الجغرافية الدقيقة للمعسكر .
كشف هويات وجنسيات المرتزقة: عبر المقاطع المنتشرة على تيك توك، تمكن خبراء الرصد من تحديد لهجات وأشكال المقاتلين، مما قدم أدلة قاطعة على الاستعانة بمرتزقة أجانب من دول الجوار الإقليمي والمحيط الأفريقي للقتال ضد الجيش السوداني.
تتبع نوعية الأسلحة والإمداد:
تظهر الفيديوهات نوعية الأسلحة الحديثة، الطائرات المسيرة، والمركبات المستحدثة التي تدخل الخدمة، مما يساعد الخبراء العسكريين في تحديد مصادر الدعم الخارجي وتتبع خطوط تهريب السلاح عبر الحدود.
التكامل بين الأداتين
العملية لا تتم بشكل منفصل بل هي
حلقة متكاملة: يبدأ الخيط بمقطع فيديو “عفوي” ينشره مقاتل على تيك توك يظهر فيه معسكراً جديداً أو شحنة سلاح يلتقط المحققون الرقميون والمدافعون عن السودان هذا المقطع ويحددون المنطقة التقريبية يتم توجيه الأقمار الصناعية التجاريّة لفحص تلك الإحداثيات وتوثيق المعسكر بالدليل القاطع الذي لا يقبل الإنكار.
هذا التزاوج التكنولوجي أصبح سلاحاً دفاعياً قوياً في يد الدولة السودانية والمدافعين عنها لكشف المؤامرات الميدانية وخرق السيادة الوطنية أمام المجتمع الدولي بالدليل الرقمي الدامغ.











إرسال تعليق