هذا الجُرح المتقيِّح لايقوى كامل ولا البرهان على فتحه وتنظيفة

  • بتاريخ : 12 فبراير، 2026 - 6:56 م
  • الزيارات : 69
  • نبض للوطن || أحمد يوسف التاي

    (1)
    في الثمانينات ، عندما كنا طلابا بمدرسة السوكي الثانوية، ومن داخل الفصل، فُجعتُ حد الصدمة، عندما تناهى إلى سمعي عبارة : (إنعل دينك ، ودين أبو أهلك…) التي وجهها الأستاذ إلى أحد زملائنا بالفصل..مصدر الصدمة أن سب الدين ولعنه جاء من أستاذنا وقدوتنا الذي نكن له كل التقدير..هاج الفصل وماج واستنكر الطلاب بصوت عالٍ على الأستاذ سبَّ الدين.. اضطرب الفصل واستعصى على الأستاذ ضبطه ولم يعد هناك من يستمع له..خرج الاستاذ، وامتدت حالة الإضطراب حتى شملت كل المدرسة، وتوقفت الدراسة في كل الفصول لثلاثةِ أيام وتعاطف الطلاب مع زميلهم مطالبين بمحاسبة الأستاذ ، فيما تعاطف الأساتذة ومدير المدرسة مع زميلهم المخطيء ووقفوا بصلابة ضد الحق.. في النهاية تم ترهيبنا، وتهديدنا بالفصل، وتحت الضغط تخلى الطلاب عن ثورتهم وتراجعوا عن مطلب محاسبة الأستاذ إلا طالب واحد فقط وهو الزميل جمال محمد أحمد .. ومن المفارقات ان أستاذ التربية الاسلامية وهو مصري الجنسية كان يقول لنا : ( إنتو لو في السوق او الشارع أي واحد سبالكم الدين، كنتو حتعملو ثورة زيي دي؟ لو في حد سبالكم الدين في الشارع حتسكتو وتمشو من سكات.. إيه الثورة والعنتريات دي) ..
    وفي خاتمة المطاف جيء بالاستاذ ليعتذر بشكل صوري ليس فيه اعتذار عن سب الدين، ولم يكن اعتذارا بالمعنى المطلوب، وذلك للملمة الموضوع وحفظ (كرامة) الأستاذ وحفظ ماء وجهه الذي أريق أمام طلاب يعتبرونه قدوة لهم ..أما الطالب الذي اهدرت كرامته، وسُبَّ دينه الذي هو عصمة أمره فلم يُلقى له بالًا..
    (2)
    تذكرتُ هذه الواقعة التي مر عليها أربعون عاماً بعدد سنوات (آيات الله المأذون ) في الخدمة المدنية – تذكرتُ تلك الواقعة القديمة ، وراجعتُ شريطها البالي وأنا أتابع الإعتذار عديم القيمة الذي قدمه رئيس الوزراء لمدير مكتب أراضي محلية الخرطوم في غياب التي كان عليها الإعتذار والمحاسبة والإقالة.. اعتذار لايغني عن المحاسبة، بل هو خطوة تؤكد “سبهللية” الدولة وعشوائيتها، وبعدها عن مجموعة القيم والأعراف التي تدار بها الدول..
    تذكرتُ الواقعة تلك وقد ترسَّخ في ذهني يقينًا أن السلطة الحاكمة لن تفعل أكثر من “التخدير” وذر الرماد في العيون، واستغفال الرأي العام الثائر المتعاطف مع “المأذون” المظلوم الذي بُغي عليه وتعرض للإهانة والإذلال والطرد من مكتبه ووظيفته، في سابقة تؤكد حالة “اللادولة” ..نعظ لن تفعل أكثر من استغفال الرأي العام بزيارة رئيس الوزراء ووالي الخرطوم لمكتب الأراضي والاعتذار للمأذون لتهدأ ثائرة الرأي العام والإعلام ، ومن ثم التبشير بعقد (قعدة تصافي) ، يعني صلح وجودية وكلام بالشكل دا- وهذا كله بغرض تهدئة الغضب الشعبي وإيقاف الضغط الإعلامي الكثيف على الحكومة.. لكن يقيني ان الحكومة لن تفعل شيئا ضد كبارها، فلو كانت تفعل لما حدث الذي جرى..
    (3)
    في رأيِّ أن زيارة رئيس الوزراء ، والاعتذار للموظف في غياب عضو مجلس السيادة الذي وقع منه الخطأ الجسيم، والحديث عن الترتيب لجلسة جودية وصلح يؤكد أن حكومة كامل إدريس لم ترتقِ بعد إلى (حكومة).. وبهذا التصرف قزم كامل إدريس حكومته وجعلها في مستوى شياخة قبيلة تعمل بأعراف الإدارة الأهلية، أو “حاكورة” عُمدة، أو نظارة قبيلة في أحسن الأحوال….
    لو كان كامل إدريس زعيم قبيلة أو عمدة أو شيخ قرية، وقام بهذا التحرك والمساعي في الاعتذار عن المخطيء في غيابه، لشكرنا مسعاه هذا، لأن هذه هي الوظيفة الأساسية لرجال الإدارة الأهلية والجودية، وليست وظيفة رجال الدولة..
    أما رجال الدولة، فتحركاتهم محسوبة، وتصرفاتهم وأقولهم كذلك، وأفعالهم وممارساتهم مضبوطة بالقانون،والبروتوكولات الرسمية..إذا كان رئيس الوزراء لايعرف ماذا يفعل في هذه الحالة، فتلك أزمة أخرى وتجاوُز غير مسموح به في أعراف الدول، ولايقل ذلك فداحة عما فعلت (سلمى)، التي يمثل اعتذار رئيس الوزراء نيابة عنها إقرار واضح بالخطأ والتجاوز الذي تورطت فيه…
    (4)
    كان على رجال الدولة كلهم من البرهان وكامل إدريس إلى أصغر مسؤول أن يتصرفوا كما يتصرف رجال الدولة في هذه الحالة عندما تتعرض المواقف الرسمية إلى أزمات، ومحكات اختبار.. كان عليهم أن يَدَعوا الأعراف والقيم والقوانين التي تحكم ممارسات وتصرفات رجال الدولة، هي التي تتسيد الموقف وتحسم وتحكم وتكون الفيصل لقطع الطريق عن القيل والقال… كان عليهم أن يُخضعوا تصرفات المسؤولة التي احرجت زملائها في المنظومة الحاكمة وأساءت إليها وأساءت إلى قيم الدولة وقوانينها واعرافها، قبل ان تسيء الى موظف الاراضي، كان عليهم أن يُخضعوها إلى التحقيق الشفاف، وقبل ذلك إيقافها عن العمل لضمان نزاهة التحقيق.
    لكن ان تبعث الدولة رئيس وزرائها للإعتذار ولملمة الموضوع هذا يعني ان الدولة تريد للحكاية أن (تبرا عرجا)، و(عايزة تمشطها بي قملها)، كما يردد الزعيم الراحل الصادق المهدي عليه رحمة الله..وتريد للجرح المتقيح أن يلتئم بقيحه وصديده دون نظافة، وهي تعلم أن الجرح بهذه الطريقة سيعاوده “الإلتهاب” و”التعفن” – هل قلتُ التعفن – نعم تعلم ولكنها لن تفعل لأنها لاتقوى على فتح الجروح وتنظيفها ، فالجروح التي تحتاج الى فتح وتنظيف كثيرة، (ورب السماء إنها لكثيرة)، ولاتقوى هذه الحكومة ولاتجروء ولاتقدر على ذلك، فهذا الأمر يحتاج إلى حكومة يختارها الشعب بعناية وبمعايير صناديق الإقتراع في عملية انتخابية حرة ونزيهة تعلو فيها إرادة الشعب..أما حكومة كامل فهي أقل من أن تفعل ذلك، فهي أن اجتهدت لا تفعل أكثر مما يفعل النظار والعمد ومشايخ القبائل، فحسبها الجودية و(باركوها آآناس ) .. ثم بقى أن أقول:من مدرسة السوكي الثانوية، إلى قصر الرئاسة الحكاية واحدة، والعقرب في نتحيها ، فالذي في يده سلطة القهر لابد ان يحمي منسوبيه من القانون والمحاسبة والعقاب، ويسعى ل (لملمة ) الموضوع واستغفال الناس بعيدا عن القانون، لأن القوانين في اعرافهم لردع المستضعفين والذين ليس لهم (ظهر قوي)، وليس لهم حماية….اللهم هذا قسمي فيما املك..
    نبضة اخيرة:
    ضع نفسك دائمًا في الموضع الذي تحب أن يراك فيه الله، وثق أنه يراك في كل حين.