من يحدثنا عن صفقة النحاس.. وزير المعادن أم الصحاف الهندي؟ هل هو عطاء من لا يملك لمن لا يستحق ؟؟ ( 2 )

  • بتاريخ : 6 يوليو، 2026 - 11:35 ص
  • الزيارات : 27
  • بقلم / السفير المقلي

    في الجزء الأول من هذا المقال سألت الصحاف الهندي..و أنا إذ ارد له بضاعته..لماذا تعطي نفسك الحق في حرية التعبير و تحرمه علي الآخرين..و قلت إذا كان بيتك من زجاجة و أوهن من بيت العنكبوت ،،لا تقف بيت الشرفاء بالحجارة.
    الهندي قال ان الاستثمار يبلغ نحو مليار دولار…و ٥٠٠ مليون دولار قرض للحكومة يسدد من نصيبها في استثمارات الشركة الصينية الأخرى في الولاية الشمالية… إضافة إلى ٣٠ في المائة من أسهم الشركه، ،،،، و ٧ في المائة(( عوائد جليلة من المعدن.)) . و ضرائب و رسوم أخرى تجعل عائد الحكومة نحو (( ٥٩)) في المائة من أرباح الشركة المستثمرة..
    أما كان الانفع للدولة ان تتم مقايضة هذا القرض ٥٠٠ مليون.. بديون الصين السابقة على السودان كما يرى بعض الاقتصاديين..
    أي ما يسمي.. مقايضة الديون (Debt-for-Equity/Debt Relief swap)..

    نتساؤل هنا عن عدم خصم القرض الجديد من الديون الصينية القائمة (تكاليف تشغيل النفط والمصفاة) يطرح مسألة قانونية معروفة في القانون الدولي الاقتصادي: آليات “مقايضة الدين” (debt swap) التي تسمح بتحويل مديونية قائمة إلى حصة استثمارية أو إعفاء جزئي. غياب هذه الآلية من الصفقة – إن صح ما ورد – يستدعي تفسيرًا تعاقديًا واضحًا لسبب معالجة الدينين (القديم والجديد) بشكل منفصل.

    الصحافة ليست وظيفة للدفاع عن السلطة، ولا منصة لتخوين المخالفين.

    مشكلتي مع طرح الهندي عز الدين ليست في أنه يدافع عن صفقة النحاس أو يعارضها، فذلك حقه الكامل، كما هو حق كل كاتب وصحفي. وإنما في أن الدفاع عن أي اتفاقية يجب أن يقوم على تحليل الوقائع والوثائق، لا على تخوين من يطرح الأسئلة أو يشكك في الأرقام.
    فالصحفي المستقل لا يصادر حق الآخرين في النقد، ولا يحول الاختلاف في الرأي إلى معركة في الوطنية، ولا يوزع صكوك الولاء والعمالة على من يخالفه. بل يناقش الحجج بالحجة، ويرد على الأرقام بالأرقام، وعلى النصوص بالنصوص.

    ومن حق الأستاذ الهندي أن يرى في الاتفاقية مصلحة للسودان، كما أن من حق غيره أن يطلب نشرها كاملة، وأن يناقشها من زاوية قانونية أو اقتصادية أو محاسبية. فالشفافية لا تُضعف الاتفاقيات الجيدة، وإنما تمنحها المشروعية والثقة.

    أما إذا كان الرد على كل سؤال هو اتهام صاحبه بالعمالة أو الارتزاق أو تنفيذ أجندات خارجية، فإن النقاش ينتقل من ساحة القانون والاقتصاد إلى ساحة التخوين، ويضيع جوهر القضية.

    ومن هذا المنطلق، لا يناقش هذا المقال النوايا، ولا يصدر أحكاماً مرحبا على الأشخاص، وإنما يحاول تقييم الطريقة التي قُدمت بها الصفقة للرأي العام، ومدى اتساقها مع المبادئ القانونية والاقتصادية والمحاسبية التي تحكم عقود استغلال الموارد الطبيعية.

    فهناك من المشرعين من يقولون ببطلان هذه الصفقة.

    الباب الأول: “بطلان لانعدام الأهلية و الصلاحية.
    هذه اتفاقية تتصرف في “ثروة قومية سيادية” لمدة 30 سنة كاملة.

    *القاعدة القانونية*: لا تملك حكومة أمر واقع أو حكومة انتقالية بدون برلمان منتخب حق رهن أو بيع أو تأجير موارد الأجيال القادمة. هذا الحق حصري لـ “السلطة التشريعية المنتخبة” وحدها.

    و نحمد للهندي نفسه.. أنه ذكر هذه الحجة القانونية أذ قال (( المخربون يريدون للحكومة أن تنتظر 7 سنوات لبرلمان منتخب)). . إذن هو يعترف أن الصفقة تحتاج لبرلمان و في غياب البرلمان، ،،فالعقد ولد ميتاً. وهذا يسمى في القانون ( بطلان مطلق). لا يمكن إجازته حتى لو وافقت عليه الحكومة.

    الباب الثاني: “بطلان للغبن الفاحش واستغلال الحاجة”*
    *المادة 165 من قانون المعاملات المدنية السوداني* تبطل أي عقد إذا كان فيه “غبن فاحش” نتيجة استغلال حاجة أحد الطرفين.

    *التطبيق*: 350 مليون دولار مقابل 30 سنة احتكار نحاس يقدر بمئات المليارات = غبن فاحش. والدولة في حالة حرب وشح نقد أجنبي..

    *الباب الثالث.بطلان((. لانعدام السبب والجهل بالمحل)).
    العقد تم بدون “تقييم فني محايد” للمخزون. شركة أرياب،سواء من شركة أرياب و شركائها أو من اي بيت خيرة أجنبي يقوم بتقدير المخزون من النحاس في المنطقة المعنية.. و هو ما يسمي ( جهالة فاحشة). اي بيع معدن مجهول المخزون و القيمة.

    . الباب الرابع: (( مخالفة النظام العام وقانون الاستثمار) (.

    1. الضرائب. تحدث الهندي عن ضرائب و رسوم.. وقانون الاستثمار لعام 2021 يمنح إعفاء لخمس سنوات. من الضرائب والجمارك.و قد تم تضمين هذا العائد في نسبة ٥٩ في المائة نصيب الدولة.

    ٢ ( تقاسم الأرباح). : العرف العالمي والدولي في التعدين هو “تقاسم الإنتاج” بالطن. أما “تقاسم الأرباح” فهو باب خلفي للتلاعب بالدفاتر وتضخيم التكاليف لتقليل الأرباح.. كم حدث في صفقة النفط.
    و كما ذكرنا آنفا فإن مقارنة الهندي لصفقة النحاس بمشروع رأس الحكمة الإماراتي في مصر فهي مقارنة في غير موضعها. Misplaced and Irrelevant.

    فالحكومة المصرية نفسها أعلنت أن المشروع قد يجذب استثمارات تصل إلى 150 مليار دولار خلال مراحل تنفيذه، مع دفعة أولى قدرها 35 مليار دولار، واحتفاظ مصر بحصة 35% في المشروع. كما شمل الترتيب تحويل جزء من الودائع الإماراتية. ١٤ مليار لدى البنك المركزي المصري الامر الذي ادي الي تقليص سعر الصرف من ٧٥ الي ٥٠ جنيها. وفق رواية رويتر،

    لكن هذه المقارنة، في تقديري، تفتقر إلى الأساس الاقتصادي والقانوني، لأنها تقارن بين مشروعين يختلفان في الطبيعة والحجم والهيكل المالي.

    أما في صفقة النحاس، فإن الأستاذ الهندي لم يكتف بنسبة مساهمة الحكومة، بل أضاف إليها القروض، والإعفاءات، والضرائب، والرسوم، ونسبة من الأرباح، ثم خرج بنسبة إجمالية بلغت 59%، وقدمها باعتبارها نصيب الحكومة السودانية.

    وهنا تكمن الإشكالية.

    فالقرض ليس عائداً، بل دين يلتزم المقترض بسداده.

    وإذا كانت هناك دفعة مقدمة أو تمويل، فهي ليست نسبة ملكية في المشروع.
    و زط
    والإعفاء من الديون ليس جزءاً من أرباح المشروع، إلا إذا نصت الاتفاقية صراحة على وجود ارتباط قانوني بينهما.

    والضرائب والرسوم التزامات قانونية مستقلة لا تُدمج مع نسب الملكية أو الأرباح.

    ونسبة الأسهم تختلف قانوناً ومحاسبياً عن نسبة الأرباح، ولكل منهما طبيعة قانونية وآثار مالية مختلفة.

    ولذلك يبرز سؤال جوهري:

    59% من ماذا؟

    هل هي 59% من رأس المال؟

    أم من الإنتاج؟

    أم من الأرباح؟

    أم من التدفقات النقدية؟

    أم من إجمالي المنافع الاقتصادية المتوقعة؟

    هذه مفاهيم مختلفة تماماً، ولا يجوز الخلط بينها أو جمعها في نسبة واحدة، إلا إذا كانت الاتفاقية نفسها قد وضعت معادلة مالية وقانونية واضحة تبرر ذلك.

    ومن خلال الشرح المتداول، لا يظهر الأساس القانوني أو المحاسبي الذي بُنيت عليه نسبة الـ59%.

    فإذا كانت هذه النسبة قد نتجت عن جمع نسبة الأسهم، مع القروض، والإعفاءات، والضرائب، ونسبة الأرباح، فإن ذلك يخلط بين عناصر مختلفة في طبيعتها القانونية والمحاسبية، ولا يمثل معياراً متعارفاً عليه لتحديد نصيب الدولة في عقود المشاريع..
    ثم إن العرف السائد في عقود استغلال الموارد الطبيعية لا يقوم على الاكتفاء بنسبة من أرباح الشركة، لأن الأرباح نتيجة محاسبية قابلة للتأثر بالمصروفات، والاستهلاك، وتكاليف التشغيل، والخدمات، وأسعار التحويل بين الشركات. ولهذا تميل الدول إلى آليات أكثر وضوحاً، مثل الاتاوات.. Royaltie ليست شراكة.
    فهي نسبة من قيمة أو كمية الإنتاج تدفعها الشركة للدولة مقابل استغلال المورد.
    مثال: إذا كانت الإتاوة 5% واستخرجت الشركة نحاساً بقيمة 100 مليون دولار، تحصل الدولة على 5 ملايين دولار، سواء ربحت الشركة أم خسرت.
    ، أو تقاسم الإنتاج، أو المشاركة في رأس المال، لأنها أكثر قابلية للقياس والرقابة.

    فإذا كانت الدولة ستعتمد على نسبة من الأرباح، فمن الذي سيحدد هذه الأرباح؟ ومن الذي سيراجع حسابات الشركة؟ وهل توجد جهة مراجعة مستقلة تضمن عدم تضخيم المصروفات أو تحميل المشروع بتكاليف مبالغ فيها تؤدي إلى تقليص الأرباح المعلنة؟

    هذه ليست أسئلة نظرية، بل هي جوهر حماية المال العام في عقود الموارد الطبيعية.

    ولهذا، فإن الأرقام التي طرحها الأستاذ الهندي لا يبدو أنها تستند إلى نموذج قانوني أو مالي معروف في عقود الاستثمار أو التعدين، وإنما إلى عملية تجميع لعناصر متباينة في طبيعتها القانونية، ثم تقديمها في صورة نسبة واحدة.

    وهذا الأسلوب قد يحقق أثراً إعلامياً، لكنه لا يكفي لإثبات العائد الحقيقي للدولة من الناحية القانونية أو الاقتصادية.

    فالتحليل الاقتصادي الرصين لا يقوم على جمع القروض، والملكية، والإعفاءات،

    إن الصحافة الاقتصادية مسؤولية قبل أن تكون موقفاً سياسياً. ودورها أن تشرح للرأي العام طبيعة العقود وآثارها الاقتصادية والقانونية، لا أن تعيد تركيب الأرقام للوصول إلى نتائج قد تبدو جذابة إعلامياً، لكنها تحتاج إلى سند قانوني ومحاسبي واضح.

    وفي العقود الكبرى، لا تُقاس مصلحة الدولة بعملية جمع أرقام متفرقة، وإنما تُقاس بحقوقها والتزاماتها كما وردت في نصوص الاتفاقية.

    فالقرض ليس استثماراً، والإعفاء من الدين ليس إيراداً، والملكية ليست أرباحاً، والضرائب ليست حصة في المشروع.
    .

    ولهذا، فإن الطريق الوحيد لحسم هذا الجدل هو نشر الاتفاقية كاملة، حتى يتمكن القانونيون والاقتصاديون والمحاسبون من تقييمها وفق نصوصها، لا وفق اجتهادات أو عمليات حسابية إعلامية.

    إذا كانت الاتفاقية تحقق أفضل مصلحة للسودان، فإن أفضل وسيلة لإثبات ذلك هي نشرها كاملة، حتى يراجعها القانونيون والاقتصاديون والمحاسبون، لا الاكتفاء بتصريحات أو عمليات حسابية إعلامية.

    أي حكومة مؤقتة لا تملك أي حق قانوني أو سياسي أو قانوني في التصرف في الثروات السيادية للدولة أو رهنها لعقود طويلة. فهذه الموارد ملك للشعب السوداني وللأجيال القادمة. ومثل هذه الاتفاقيات لا يجوز أن تُوقَّع في زمن الحرب، وإنما يجب أن تُناقش أمام برلمان منتخب، وتخضع لرقابة شعبية وقضائية كاملة.