بقلم || عثمان جلال
(1)
قرار وزارة الخارجية الأمريكية يوم 9 مارس 2026م القاضي بتصنيف الحركة الإسلامية السودانية كيان إرهابي عالمي مصنف بشكل خاص يأتي في سياق الصراع الحضاري بين الإسلام وفي طليعته حركات الإسلام التي تؤمن بأن الدين هو المحرك لكل شعاب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والمسيحية الغربية التي شيدت أركان نهضتها المعاصرة على الفكر الوضعي واختزال الدين في طقوس الكنيسة، فهذا صراع أزلي بين مدرستين متناقضتين وقد عبر عن هذا التناقض رئيس الوزراء البريطاني كير استايمر بقوله (مشكلتنا تكمن في الإسلام ذاته ومحمد نبي الإسلام لأنه دين حضاري يملك الإجابة التفصيلية لكل الأسئلة الوجودية والحضارية وهو منافس للحضارة الغربية التي بدأت تفقد تألقها بينما الإسلام يزداد تألقا حتى داخل المجتمعات الأوربية).
(2)
يضع استايمر الوصفة السحرية لوقف مد حركات الإحياء الإسلامي في العالم العربي حيث يقول (يجب علينا دعم إسرائيل ونسج منوال التحالف بينها وبين الدول العربية التي تهاب من انتهاض نظام إسلامي ديمقراطي).وكذلك يصمم استايمر الوصفة الميكافلية لمقاومة الثقافة الإسلامية في الغرب (واجبنا مقاومة المد الإسلامي وإن تناقضت المقاومة مع قيمنا الليبرالية وإلا ستملأ المساجد والمآذن أوربا وسيسطر الإسلاميون في أي انتخابات أوروبية على مقاعد البرلمان وعلى الرأي العام والاقتصاد ثم يحكمون أوروبا بتعاليم الاسلام علينا سن القوانين التي تدفع المسلمين الى مغادرة أوروبا مثل قوانين الشذوذ والمثلية والإلحاد وهي ما تدعو المسلمين إلى مغادرة أوربا أو الانصهار والاندماج في حضارتنا والتحرر من الإسلام)
(3)
رغم نزوع حركات الإحياء الإسلامي فتح منافذ حوار الحضارات مع الغرب وممارسة العمل السياسي من داخل رحم مؤسسات الدولة القطرية الحديثة التي ابتناها الغرب بعد معاهدة ويستفاليا 1648م لاستيقانها برصانة منطقها الفكري وقدرتها على الانتشار في المجتمع في براحات الحرية والعقلانية إلا أن نزعة الصدام الحضاري التي تحرك العقل الغربي لا ترى إلا ضرورة تخلي حركات الإسلام عن محتواها الديني والقيمي والاندماج في ظلال الدولة العلمانية ضرب لازب كما عبر ذلك المستشرق الفرنسي أولفيية روا .
إن الغاية الاستراتيجية للمدرسة الغربية تصفية كل حركات الإحياء الإسلامي في العالم العربي والإسلامي وسيادة أنظمة تدين بالتبعية والاندماج مع الحضارة الغربية.
إن مواجهة هذه المعركة الحضارية تتطلب الوحدة بين القيادة والمجتمعات داخل الدول العربية والاسلامية وتمكين إرادة المجتمعات في الحكم وصناعة مشروعات النهضة الوطنية، وكذلك ضرورة إنهاء ثنائيات الخلافات المذهبية من شاكلة السنة في مقابل الشيعة.، وتشكيل الاتحاد الإسلامي ، والبرلمان الإسلامي والناتو الإسلامي والسوق الإسلامية المشتركة للتصدي لهذه المعركة بكل أبعادها الحضارية.
(4)
عودا على بدء فما هو واجب التيار الاسلامي في السودان لمواجهة هذا التحدي الحضاري؟
من الخصائص العبقرية للحركة الإسلامية في السودان قدرتها على تذويب ذاتها في بنية مؤسسات المجتمع عند تعرضها للنوازل والابتلاءات وهكذا صعدت كجماعة مؤثرة في صناعة الأحداث السياسية بعد ثورة اكتوبر 1964م. ثم تغلغلت في مؤسسات الدولة وشيدت المؤسسات الإسلامية بعد المصالحة الوطنية مع نميري عام 1977م. ثم صعودها إلى مركز القوى البرلمانية الثالثة بعدد 51 مقعدا في انتخابات 1986م، ثم أبطلت مخطط تصفيتها عبر الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة قرنق والقوى اليسارية والعلمانية باستلامها السلطة في 30 يونيو 1989م . ثم قدرتها على الصمود أمام كل سيناريوهات اسقاطها الداخلية والخارجية إلى أن لجأ الغرب وحلفاءه الإقليميين إلى حيلة الاختراق البطيء والتشظي والتآكل الداخلي حتى إسقاط التجربة من داخل مؤسساتها يوم 11 أبريل 2019.
(5)
من حيث أكلت بضم الألف تجربة الإنقاذ في الحكم يجب رتق الفتق وأعني صيانة البيت الوطني الكبير من الاختراقات الخارجية، وتحصين البيت الإسلامي الصغير من التشظي والاختراقات ، وإن كان ذلك كذلك فلا مناص من تجاوز الانشقاقات الماثلة ووحدة التيار الإسلامي الوطني في كيان متجدد فكرا وقيادة وكذلك ضرورة ذوبان التيار الإسلامي الجديد في المجتمع السوداني وتوعيته بأبعاد هذه المعركة الحضارية التي تستهدف استلاب قيمه وهويته وأصالته الثقافية وتفكيك دولته إلى كانتونات، ودفعه للوحدة والاصطفاف مع الجيش حتى هزيمة هذا المخطط بكل أدواته الداخلية والاقليمية والدولية. وكذلك واجب التيار الاسلامي الحوار مع كل القوى السياسية والمجتمعية المناصرة للجيش في معركة الكرامة لبناء أكبر كتلة تاريخية للتوافق حول قضايا البناء الوطني وضرورة استمرار هذه الكتلة التاريخية في المدى الإستراتيجي حتى ترسيخ ومأسسة التحول الديمقراطي المستدام في السودان.









إرسال تعليق